العنكبوت
تأليف: هانس هاينز إيفرس
ترجمة: بكاي كطباش
من عيون أدب الرعب الفانكاستيكي الالماني
عندما عقد طالب الطب، ريتشارد براكمون، عزمه على استئجار الغرفة رقم (7) في فندق "ستيفنز" الصغير الواقع بشارع "ألفريد ستيفنز"، كانت الغرفة قد شهدت مأساة متكررة؛ ففي ثلاثة أيام جمعة متتالية، أنهى ثلاثة أشخاص حياتهم شنقاً عند إطار نافذتها.
كانت البداية مع مندوب مبيعات سويسري، لم تُكتشف جثته إلا مساء السبت. وقد أكد الطبيب الشرعي أن الوفاة وقعت مساء الجمعة، ما بين الخامسة والسادسة تقريباً. وُجد الرجل متدلياً من خطاف حديدي متين مثبت في إطار النافذة -مخصص أصلاً لتعليق الملابس- واستخدم حبل الستارة كأنشوطة. ولأن النافذة كانت منخفضة، كانت ساقاه منبسطتين على الأرض وصولاً إلى الركبتين، مما عكس إصراراً غريباً وعزيمة صلبة على إنهاء حياته.
الأمر المريب أن التحقيقات كشفت أنه كان رجلاً متزوجاً وأباً لأربعة أطفال، يتمتع بوضع مالي مستقر وحياة رغيدة، بل وعُرف بروح مرحة لا تفارقه. لم يترك خلفه وصية أو رسالة تفسر فعلته، ولم يسبق له أن تفوه أمام معارفه بما ينم عن رغبة في الانتحار.
لم يختلف المشهد كثيراً في الحالة الثانية. فبعد يومين فقط من الحادثة الأولى، استأجر الغرفة "كارل كراوزه"، وهو فنان استعراضي متخصص في عروض الدراجات بسيرك "ميدرانو" القريب. وحين غاب عن عرضه مساء الجمعة التالي، أرسل مدير السيرك أحد الموظفين ليتفقده؛ فوجده مشنوقاً عند إطار النافذة في غرفته التي لم تكن مغلقة، وبذات التفاصيل الدقيقة للحادثة السابقة.
كان انتحاره لغزاً لا يقل غموضاً عن سابقه؛ فالفنان الشاب ذو الخمسة وعشرين ربيعاً كان يتقاضى أجوراً مرتفعة ويعيش حياته بطولها وعرضها. لم يترك سطراً واحداً يوضح السبب، ولم يصدر عنه أي سلوك مريب. كانت عائلته الوحيدة هي أمه العجوز، التي كان يواظب بانتظام على إرسال مبلغ مائتي مارك لها مطلع كل شهر لإعالتها.
وبالنسبة للسيدة "دوبونيه"، مالكة هذا الفندق المتواضع الذي يعج عادة بفناني الملاهي الليلية في منطقة "مونمارتر"، كان وقوع حادثة انتحار ثانية في الغرفة ذاتها بمثابة كارثة حقيقية. بدأ النزلاء يهجرون الفندق، واحداً تلو الآخر، وامتنع الزبائن الدائمون عن المجيء. وأمام هذا الوضع، استنجدت بمفوض الشرطة في الحي التاسع، وكان صديقاً مقرباً لها، فوعدها ببذل كل ما في وسعه. لم يكتفِ المفوض بتكثيف التحريات لكشف الأسباب الخفية وراء انتحار النزيلين، بل وضع تحت تصرفها شرطياً ليقيم في تلك الغرفة الغامضة.
وقع الاختيار على الشرطي "تشارلز ماريا شومي"، الذي تطوع للمهمة بنفسه. كان "شومي" رقيباً سابقاً في مشاة البحرية، قضى أحد عشر عاماً في الخدمة العسكرية، واعتاد قضاء ليالٍ طوال وحيداً في نقاط الحراسة بـ "تونكين" و"أنام". هناك، كان يستقبل الزيارات المباغتة لقراصنة النهر "ذوي البشرة الصفراء" الذين يتسللون كقطط الليل بطلقات حاسمة من بندقيته، لذا بدا الرجل الأنسب لمواجهة "الأشباح" التي يتناقل قصصها سكان شارع "ألفريد ستيفنز". انتقل الرقيب إلى الغرفة مساء الأحد، واستسلم لنوم عميق هادئ بعد أن نال نصيباً وافراً من طعام وشراب السيدة "دوبونيه" السخي.
كان "شومي" يزور مخفر الشرطة صباحاً ومساءً لتقديم تقريره اليومي. وفي الأيام الأولى، كانت تقاريره مقتضبة، مؤكداً أنه لم يلحظ أدنى شيء يثير الريبة. لكن بحلول مساء الأربعاء، تبدل حاله؛ إذ زعم أنه عثر على خيط ما. وعندما ضغطوا عليه ليفصح عن المزيد، طلب التكتم ريثما يتأكد، موضحاً أنه لا يدري إن كان ما اكتشفه له علاقة بموت النزيلين أم لا، وأنه يخشى أن يحرج نفسه ويصبح ضحية للتندر والسخرية بسبب تقديره المتسرع.
في يوم الخميس، بدا "شومي" متردداً بعض الشيء، واكتست ملامحه بجدية غريبة، لكنه لم يبلغ عن أي جديد. ومع إشراقة صباح الجمعة، ظهر عليه اضطراب واضح؛ وبنبرة مزجت بين الضحك والجد، قال إن تلك النافذة تمتلك "قوة جذب غريبة"، لكنه أصرّ ثانيةً على أن هذا الأمر لا صلة له بالانتحار، وأن أحداً لن يصدقه بل سيسخرون منه إن زاد حرفاً واحداً.
لم يأتِ "شومي" إلى المخفر في مساء ذلك اليوم.. فقد وجدوه متدلياً من ذات الخطاف الحديدي عند إطار النافذة.
لم تختلف تفاصيل الفاجعة الثالثة عن سابقتيها في أدنى جزئية؛ فقد كانت ساقا الضحية تلامسان الأرض، وحبل الستارة ذاته هو الأداة، والنافذة مغلقة والباب موصد بإحكام، بينما وقعت الوفاة في حدود الساعة السادسة مساءً. أما المنظر الذي جمد الدماء في العروق، فكان فم القتيل المفتوح على آخره ولسانه المتدلي بشكل مروع.
كان وقوع الموت للمرة الثالثة في الغرفة رقم (7) كافياً لإفراغ فندق "ستيفنز" من نزلائه تماماً في ذات اليوم، باستثناء بروفيسور ألماني في الغرفة رقم (16)، استغل الذعر المخيم ليفرض على السيدة "دوبونيه" خفض قيمة الإيجار إلى الثلث. ولم يخفف من أسى مالكة الفندق المنكوبة إلا زيارة خاطفة من "ماري غاردن"، نجمة الأوبرا الشهيرة، التي وقفت بسيارتها "رينو" أمام الفندق لتشتري حبل الستارة الأحمر المشؤوم مقابل مائتي فرنك؛ طمعاً في جلب الحظ من جهة، ورغبةً في تصدر عناوين الصحف من جهة أخرى.
لو حدثت هذه الواقعة في ركود الصيف، وتحديداً في يوليو أو أغسطس، لربما باعت السيدة "دوبونيه" حبلها بثلاثة أضعاف هذا السعر، ولظلت الصحف تلوك القصة لأسابيع. لكن الحظ عاندها؛ فقد جاءت الحوادث في ذروة الموسم السياسي: انتخابات، أزمات في المغرب وفارس، انهيار بنكي في نيويورك، وثلاث فضائح سياسية كبرى.. لم يكن هناك متسع في الصحف لمزيد من الكلمات. وهكذا، نُشرت تقارير مقتضبة وجافة، تلتزم بنصوص محاضر الشرطة الرسمية وتخلو من المبالغات، وهذا هو كل ما عرفه طالب الطب "ريتشارد براكمون" عن القضية.
بيد أن هناك تفصيلة صغيرة غابت عن علم "ريتشارد"، تفصيلة بدت تافهة لدرجة أن المفوض والشهود لم يذكروها للمراسلين، ولم تطفُ على السطح إلا لاحقاً بعد مغامرة طالب الطب. فعندما شرع رجال الشرطة في إنزال جثة الرقيب "شومي" عن إطار النافذة، خرجت من فمه المفتوح عنكبوت سوداء ضخمة. قام خادم الفندق بنفضها بإصبعه متقززاً وهو يصرخ: "سحقاً! حشرة مقرفة أخرى!".
لاحقاً، وأثناء التحقيقات المتعلقة بـ "براكمون"، أفاد الخادم بأنه رأى عنكبوتاً مماثلة تماماً تزحف على كتف المسافر السويسري عند إنزال جثته.. لكن "ريتشارد" لم يكن يعلم عن هذا "الزائر الأسود" شيئاً.
انتقل "ريتشارد" إلى الغرفة بعد أسبوعين من الانتحار الأخير، وكان ذلك يوم أحد. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يسجل كل ما يمر به بدقة متناهية في مذكراته اليومية.
من مذكرات ريتشارد براكمون، طالب الطب
الاثنين، 28 فبراير
انتقلتُ إلى هذه الغرفة مساء أمس. أفرغتُ سلتيّ الأمتعة، رتبتُ المكان قليلاً، ثم آويتُ إلى فراشي. نمتُ نوماً عميقاً لم يقطعه إلا طرقات على الباب عند التاسعة صباحاً. كانت صاحبة الفندق بنفسها، جاءت تحمل لي الإفطار؛ يبدو أنها قلقة جداً على سلامتي، ويتجلى ذلك بوضوح في البيض واللحم والقهوة الممتازة التي قدمتها لي. اغتسلتُ وارتديتُ ملابسي، ثم جلستُ أدخن غليوني وأراقب الخادم وهو ينظف الغرفة.
ها أنا ذا إذن. أدرك تماماً أن الأمر محفوف بالمخاطر، لكنني أعلم أيضاً أن مستقبلي سيُبنى هنا إذا نجحتُ في كشف أصل الحكاية. وإذا كانت "باريس تستحق قداساً" كما قيل قديماً، فإن الفوز بها اليوم لم يعد رخيصاً، ولا بأس بالمخاطرة بحياتي الضئيلة في سبيل ذلك. هذه فرصتي، وسأتمسك بها حتى النهاية. بالمناسبة، لم أكن الوحيد الذي فكر في هذا الأمر؛ فقد حاول ما لا يقل عن سبعة وعشرين شخصاً الحصول على هذه الغرفة، سواء عبر الشرطة أو بمراجعة صاحبة الفندق مباشرة، وكان من بينهم ثلاث سيدات. المنافسة كانت شرسة، وأغلبهم على الأرجح بؤساء يبحثون عن مخرج كما هو حالي.
لكنني أنا من "ظفر بالوظيفة". لماذا؟ أوه، يبدو أنني كنت الوحيد الذي استطاع إبهار رجال الشرطة الحكماء بـ "فكرة". ويا لها من فكرة بارعة! كانت بالطبع مجرد خدعة متقنة. بما أن هذه التقارير ستصل إلى يد الشرطة في النهاية، فمن دواعي سروري أن أخبر هؤلاء السادة منذ البداية أنني تلاعبتُ بهم ببراعة. إذا كان المفوض رجلاً عاقلاً، فسيقول: "هممم، لهذا السبب يبدو براكمون الشخص الأنسب!". على أية حال، لا يهمني ما سيقوله لاحقاً؛ المهم أنني الآن هنا. ويبدو لي فاتحة خير أن أبدأ نشاطي بخداع هؤلاء السادة بهذا الشكل المتقن.
ذهبتُ أولاً إلى السيدة دوبونيه، فأرسلتني بدورها إلى مخفر الشرطة. ظللتُ أتردد إلى المكان يومياً لمدة أسبوع كامل، وفي كل مرة كان عرضي يُوضع "قيد الدراسة" ويُطلب مني العودة غداً. معظم منافسي استسلموا وانسحبوا من المعركة، فلديهم بالتأكيد ما هو أهم من الانتظار لساعات في غرفة الحرس الكئيبة. أما المفوض فقد استشاط غضباً من إصراري، وفي النهاية أخبرني بحسم أن عودتي لا طائل منها؛ فهو يشكر لي وللآخرين حسن النية، لكن لا حاجة لديهم لـ "هواة مبتدئين". وقالها صراحة: إذا لم يكن لديك خطة عمل محكمة ومدروسة، فـ...
حينها باغتُّه بالقول إن لديَّ "خطة عمل" جاهزة. بالطبع، لم أكن أملك أدنى فكرة، ولو استنطقني حينها لما وجدتُ حرفاً أقوله. لكنني أخبرته بخبث أن خطتي محكمة وجيدة، غير أنها غاية في الخطورة، وقد تودي بصاحبها إلى نفس مصير الشرطي "شومي"، ولذا لن أكشف تفاصيلها إلا إذا تعهد هو –بشرفه– أن ينفذها بنفسه. سارع بالاعتذار متعللاً بضيق وقته، وهنا شعرتُ أنني أمسكتُ بزمام الأمور، خاصة حين سألني بفضول إن كان بإمكاني إعطاؤه ولو "تلميحاً" بسيطاً عنها.
وهنا، أطلقتُ العنان لخيالي الجامح؛ فقصصتُ عليه هراءً منمقاً لم يكن لي به عهد قبل ثانية واحدة، ولا أدري حقاً من أين قفزت تلك الفكرة الغريبة إلى ذهني! أخبرته أن هناك ساعة واحدة في الأسبوع تتمتع بتأثير غامض ومريب، وهي الساعة التي اختفى فيها المسيح من قبره ليهبط إلى الجحيم: الساعة السادسة من مساء آخر أيام الأسبوع اليهودي. وذكرتُه بأن جميع حالات الانتحار الثلاث وقعت في هذه الساعة تحديداً، بين الخامسة والسادسة من مساء كل جمعة. وأضفتُ بوقار مصطنع أنني لا أستطيع البوح بأكثر من ذلك، وأحلته إلى "رؤيا يوحنا اللاهوتي" في الإنجيل.
رسم المفوض على وجهه تعبيراً يوحي بالفهم والعمق، ثم شكرني وطلب مني العودة في المساء. وعندما دخلتُ مكتبه في الموعد المحدد، وجدتُ "العهد الجديد" مستلقياً أمامه على الطاولة. يبدو أننا تشاركنا الاهتمامات الدراسية ذاتها في تلك الفترة الوجيزة؛ فقد قرأتُ "الرؤيا" ولم أفهم منها حرفاً واحداً. ربما كان المفوض أذكى مني، أو هكذا ادعى، إذ قال لي بكل ثقة إنه رغم تلميحاتي الغامضة، فإنه يعتقد أنه استوعب خيط أفكاري، وأنه مستعد لتلبية طلباتي ودعمي بكل الوسائل.
يجب أن أعترف أن الرجل كان متعاوناً للغاية؛ فقد رتب مع صاحبة الفندق إقامة كاملة ومجانية لي طوال فترة مكوثي. كما سلمني مسدساً ممتازاً وصفارة شرطة، وأعطى أوامره لرجال الدوريات بالمرور باستمرار في شارع "ألفريد ستيفنز" والتأهب للصعود فور سماع أي إشارة مني. لكن الأهم من ذلك كله، أنه قام بتركيب هاتف مكتبي في الغرفة يصلني مباشرة بمخفر الشرطة. وبما أن المخفر لا يبعد أكثر من أربع دقائق، فإن النجدة ستكون عندي في لمح البصر. ومع كل هذه التحصينات، لا أجد مبرراً حقيقياً للخوف.. أو هكذا أقنعت نفسي.
الثلاثاء، 1 مارس
لم يقع أي حادث يذكر، لا أمس ولا اليوم. أحضرت لي السيدة "دوبونيه" حبل ستارة جديداً استلته من إحدى الغرف الأخرى -وما أكثر الغرف الفارغة عندها هذه الأيام-. هي لا تفوت فرصة للدخول إلى غرفتي، وفي كل مرة تأتي محملة بشيء ما. جعلتها تسرد لي تفاصيل ما جرى مراراً وتكراراً، لكنني لم أظفر بجديد. أما هي، فلديها فلسفتها الخاصة حول أسباب الوفاة؛ ففي حالة "لاعب السيرك"، تعتقد أن الأمر يتعلق "بعلاقة حب فاشلة"، ففي العام الماضي كانت تزوره شابة لم تظهر هذه المرة. أما "المسافر السويسري"، فلا تدري ما الذي دفعه لذلك.. "فالمرء لا يمكنه معرفة كل شيء" كما تقول. أما "الرقيب شومي"، فهي جازمة بأنه انتحر فقط "ليغيظها" ويفسد سمعة فندقها!
يجب أن أقول إن تفسيرات السيدة "دوبونيه" تفتقر إلى المنطق والعمق، لكنني تركتها تثرثر كما تشاء، فعلى الأقل هي تكسر حدة الملل الذي يطبق عليّ.
الخميس، 2 مارس
لم يحدث شيء يستحق الذكر على الإطلاق. يتصل بي المفوض عدة مرات في اليوم عبر الهاتف، فأجيبه بأنني في أفضل حال، ويبدو أن ردي هذا لا يشفي غليله تماماً. أخرجتُ كتبي الطبية وانهمكت في المذاكرة؛ وهكذا سيكون لهذا "الحبس الاختياري" فائدة على أية حال.
الجمعة، 4 مارس - الثانية بعد الظهر
تناولتُ غداءً فاخراً، تفضلت السيدة "دوبونيه" بإرفاقه بنصف زجاجة من "الشمبانيا"؛ لقد بدت وكأنها "وجبة الإعدام الأخيرة". هي تراني الآن في عداد الموتى تقريباً. وقبل أن تغادر، توسلت إليّ وهي تبكي أن أخرج معها؛ كانت تخشى حقاً أن أشنق نفسي أنا الآخر "نكاية بها".
تأملتُ حبل الستارة الجديد بإمعان. فهل من المفترض أن أتدلى منه بعد قليل؟ همم، لا أشعر بأدنى رغبة في ذلك. فضلاً عن أن الحبل خشن وقاسٍ ولا ينزلق بسهولة لصنع أنشوطة؛ لا بد أن يكون لدى المرء "إرادة حديدية" ليقلد الآخرين باستخدام حبل كهذا. أجلس الآن خلف طاولتي، الهاتف عن يساري والمسدس عن يميني. لا أشعر بالخوف، لكن الفضول ينهشني.
السادسة مساءً
لم يحدث شيء.. كدتُ أكتب "للأسف!". مرت الساعة المنحوسة بسلام، وكانت كغيرها من الساعات. وإن كنت لا أنكر أنني شعرت أحياناً بدافع غريب يدفعني للاقتراب من النافذة.. نعم، ولكن لأسباب أخرى تماماً! اتصل المفوض عشر مرات على الأقل بين الخامسة والسادسة، كان نافد الصبر مثلي تماماً. وحدها السيدة "دوبونيه" تبدو مبتهجة؛ فقد مرّ أسبوع كامل وما زال هناك كائن حي يقطن الغرفة رقم (7) دون أن يشنق نفسه. يا للمعجزة!
الاثنين، 7 مارس
بتُّ مقتنعاً الآن بأنني لن أكتشف شيئاً، وأكاد أجزم بأن حالات الانتحار التي سبقتني لم تكن سوى سلسلة من المصادفات الغريبة. طلبتُ من المفوض إعادة فحص ملفات الضحايا الثلاث بدقة، فربما تظهر دوافع خفية غابت عن الأعين. أما فيما يخصني، فسأبقى هنا لأطول فترة ممكنة؛ صحيح أنني لن أفتح باريس من هذه الغرفة، لكنني على الأقل أعيش مجاناً وأحظى بدلال السيدة "دوبونيه" وطعامها، مما حسّن من بنيتي الجسدية. أدرس بجدية، وأشعر أن ذهني بدأ يستعيد لياقته. وأخيراً، ثمة سبب آخر، جديد تماماً، يشدني للبقاء هنا.
الأربعاء، 9 مارس
خطوتُ اليوم خطوة للأمام. "كلاريموند".. عذراً، لم أخبركم عنها بعد. إنها "سببي الثالث" للبقاء، وهي ذاتها الشخص الذي تمنيتُ من أجله الاقتراب من النافذة في تلك "الساعة المشؤومة"، وبالتأكيد ليس من أجل الشنق. "كلاريموند".. لا أدري لِمَ أطلقتُ عليها هذا الاسم، لكنني أشعر أنه يليق بها تماماً، وأكاد أراهن أن هذا هو اسمها الحقيقي.
لمحتها منذ أيامي الأولى هنا. إنها تسكن في البناية المقابلة، في ذلك الشارع الضيق جداً، ونافذتها تواجه نافذتي مباشرة. تجلس هناك خلف الستائر، وقد لاحظتُ أنها تراقبني كما أراقبها، وتبدي اهتماماً واضحاً بي. لا عجب في ذلك، فالشارع بأكمله يعرف من أنا ولماذا أسكن هنا؛ فالسيدة "دوبونيه" تكفلت بنشر الخبر في كل مكان.
لستُ من النوع العاطفي، وعلاقاتي بالنساء كانت دائماً عابرة وباهتة. فعندما تأتي من "فيردون" إلى باريس لدراسة الطب وأنت لا تملك ما يسد رمقك إلا مرة كل ثلاثة أيام، لن تجد متسعاً في قلبك للحب. خبرتي متواضعة، وربما بدأتُ الأمر ببعض الحماقة، لكنها تروق لي كما هي.
في البداية، لم أفكر في نسج علاقة مع "جارتي"، لكنني قلتُ لنفسي بما أنني هنا للمراقبة ولم أجد شيئاً يستحق البحث، فمن الأفضل أن أراقب جارتي بدلاً من التحديق في الفراغ، فلا يمكن للمرء أن يدفن رأسه في الكتب طوال اليوم. لاحظتُ أن "كلاريموند" تسكن الشقة الصغيرة وحدها على ما يبدو. لها ثلاث نوافذ، لكنها لا تجلس إلا أمام النافذة المواجهة لي، حيث تنهمك في الغزل بـ "مغزل" قديم الطراز. رأيتُ مثله مرة عند جدتي، لكنها لم تستخدمه قط بل ورثته عن خالة قديمة؛ لم أكن أعلم أن هناك من لا يزال يعمل به اليوم.
مغزل "كلاريموند" صغير ورقيق، أبيض اللون وكأنه منحوت من العاج، والخيوط التي تنسجها تبدو في غاية الرقة والدقة. تظل جالسة خلف الستائر تعمل بلا كلل، ولا تتوقف إلا مع حلول الظلام. والظلام يزحف باكراً في هذا الشارع الضيق خلال هذه الأيام الضبابية؛ ففي الخامسة يسود غسق جميل، ولم أرَ قط ضوءاً يشتعل في غرفتها.
أما ملامحها.. فلا أستطيع تحديدها بدقة. لها شعر أسود متموج وبشرة شاحبة جداً. أنفها دقيق يختلج بانتظام، وشفتاها باهتتان، وأحياناً يخيل لي أن أسنانها الصغيرة مدببة كأسنان الضواري. جفناها يلقيان بظلال عميقة، لكنها حين ترفعهما، تلمع عيناها الكبيرتان الداكنتان. أشعر بكل هذا بحدسي أكثر مما أراه فعلياً، فمن الصعب تبين التفاصيل خلف الستائر.
ثمة شيء آخر: ترتدي دائماً ثوباً أسود طويلاً منقوشاً بنقاط أرجوانية كبيرة، وتضع في يديها قفازات سوداء طويلة، ربما لتحمي يديها من خشونة العمل. كان منظر أصابعها السوداء النحيلة وهي تتلقف الخيوط وتجذبها بسرعة وبحركات متداخلة يبدو غريباً حقاً.. يذكرني بزحف أرجل الحشرات!
أما عن "علاقتنا".. فهي سطحية في ظاهرها، لكنني أشعر بعمقها في داخلي. بدأت بنظرات متبادلة، ثم يبدو أنني نلتُ إعجابها؛ فذات يوم وبينما كنت أتأملها، ابتسمت لي، فبادلتها الابتسامة بطبيعة الحال. تكرر الأمر لعدة أيام، وكنتُ أنوي في كل ساعة أن ألقي عليها التحية، لكن شيئاً ما كان يمنعني. وأخيراً فعلتها بعد ظهر اليوم.. وردت "كلاريموند" التحية. كانت إيماءة خفيفة جداً، لكنني رأيتها بوضوح وهي تهز رأسها لي.
الخميس، 10 مارس
سهرتُ ليلة أمس طويلاً منحنياً على كتبي، لكنني لا أستطيع الزعم بأنني قد استوعبت شيئاً يستحق الذكر؛ كنتُ أبني قصوراً في الهواء وأغرق في أحلام اليقظة حول "كلاريموند". كان نومي مضطرباً، ولم أستيقظ إلا في ساعة متأخرة من الصباح. بمجرد اقترابي من النافذة، وجدتها جالسة هناك. ألقيتُ التحية فأومأت برأسها، ثم ابتسمت وظلت ترمقني بنظرات طويلة. حاولتُ العودة للعمل، لكن الهدوء جافاني. جلستُ عند النافذة أحدق فيها، ورأيتُها هي الأخرى تضع يديها في حجرها وتتوقف عن العمل. سحبتُ حبل الستارة البيضاء لأكشف النافذة تماماً، وفي اللحظة ذاتها -تقريباً- فعلت هي الشيء نفسه. تبادلنا الابتسام، وظللنا على هذا الحال، غارقين في نظراتنا، لساعة كاملة على ما أظن. بعدها، عادت لممارسة غزلها من جديد.
السبت، 12 مارس
تمضي الأيام على هذا المنوال؛ آكل وأشرب، أجلس خلف طاولة المكتب، أشعل غليوني وأنحني فوق كتبي.. لكنني لا أقرأ حرفاً واحداً. أحاول مراراً، لكنني أدرك مسبقاً أن محاولاتي لن تجدي نفعاً. وينتهي بي الأمر دائماً إلى الذهاب نحو النافذة؛ أحييها فترد التحية، ثم نتبادل الابتسامات ونحدق في بعضنا لساعات طوال.
مساء أمس، بحدود الساعة السادسة، شعرتُ بقلق طفيف. زحف الغسق باكراً، وتملكني خوف غامض. جلستُ عند مكتبي أنتظر، وشعرتُ برغبة لا تُقاوم في الاندفاع نحو النافذة -ليس لشنق نفسي طبعاً- بل لأرى "كلاريموند". قفزتُ من مكاني ووقفتُ خلف الستارة. لم يسبق لي أن رأيتها بهذا الوضوح، رغم أن العتمة كانت قد بدأت تبسط سلطانها على كل شيء. كانت تغزل، لكن عينيها كانتا تشخصان نحوي. شعرتُ حينها بمزيج غريب من الراحة العميقة.. وخوف خفيف لا يكاد يذكر.
رن جرس الهاتف. استشطتُ غضباً من ذلك "المفوض الأبله" الذي انتشلني من أحلامي بأسئلته السخيفة. زارني صباح اليوم برفقة السيدة "دوبونيه". هي راضية تماماً عن "مهمتي"، فمجرد بقائي حياً لأسبوعين في الغرفة رقم (7) يُعد إنجازاً كافياً بالنسبة لها. أما المفوض، فيريد نتائج ملموسة. ألقيتُ على مسامعه بعض التلميحات الغامضة، مدعياً أنني وضعتُ يدي على خيط لسرٍّ خطير؛ وصدق "ذلك الحمار" كل ما قلته!
على أية حال، سأتمكن من البقاء هنا لأسابيع أخرى، وهذا هو كل ما أتمناه. ليس طمعاً في كرم السيدة "دوبونيه" وطعامها -يا إلهي، كم يصبح المرء زاهداً في الطعام حين يمتلئ بطنه!- بل من أجل نافذتها تلك، النافذة التي تكرهها هي وتخافها، بينما أعشقها أنا.. لأنها تريني "كلاريموند".
حين أشعل المصباح، تختفي هي عن ناظري. أجهدتُ عينيّ لأراقبها وهي تخرج من بيتها، لكنني لم أرها يوماً تنزل إلى الشارع. لديّ الآن كرسي مريح بمسندين، ومصباح بظلال خضراء يغمرني بضوء دافئ. أحضر لي المفوض لفافة كبيرة من التبغ، لم أدخن في حياتي لفافة بهذه الجودة.. ورغم كل ذلك، لا أستطيع العمل. أقرأ صفحتين أو ثلاثاً، وحين أصل للنهاية، أكتشف أنني لم أفهم كلمة واحدة؛ فالعين تلتقط الحروف، لكن العقل يرفض استيعاب أي مفهوم. أمرٌ مضحك! وكأن عقلي وضع لافتة تقول: "ممنوع الدخول"، رافضاً أي فكرة سوى فكرة واحدة: "كلاريموند". في النهاية، أدفع بالكتب بعيداً، وأرتمي بظهري في الكرسي.. وأغرق في الأحلام.
الأحد, 13 مارس
شهدتُ صباح اليوم دراما قصيرة ومثيرة؛ كنتُ أتمشى في الردهة بينما ينظف الخادم غرفتي، فوقعت عيناي على شبكة عنكبوت تتدلى أمام نافذة المنور الصغيرة، تتوسطها عنكبوت ضخمة من نوع "عنكبوت الصليب". السيدة "دوبونيه" تمنع إزالتها، فهي تؤمن بأن العناكب تجلب الحظ، وما أحوج منزلها الذي نال كفايته من النحس إلى ذلك. رأيتُ عنكبوتاً آخر، أصغر حجماً بكثير، يحوم بحذر حول أطراف الشبكة؛ كان ذكراً. تقدم بحذر شديد على الخيوط المهتزة نحو المركز، وكلما تحركت الأنثى حركة طفيفة، ارتد مذعوراً إلى الخلف، ثم يعاود الكرة من طرف آخر.
أخيراً، بدت الأنثى القوية وكأنها استسلمت لغزله، فكفت عن الحركة. أخذ الذكر يشد أحد الخيوط، برقة أولاً ثم بقوة، حتى ارتجت الشبكة بأكملها، وحين لم تبدِ حبيبته أي رد فعل هجومي، اقترب منها بسرعة وحذر لامتناهٍ. استقبلته الأنثى بسكون تام، واستسلمت لعناقه العاطفي؛ وظلا هكذا لدقائق، ملتصقين بلا حراك في قلب الشبكة الكبيرة.
بعدها، رأيت الذكر يحاول الانفصال عنها ببطء، ساقاً وراء أخرى، وكأنه ينسحب بهدوء تاركاً شريكته في غمرة أحلامها. وفجأة، أفلتها تماماً وولى هارباً بأقصى سرعته خارج الشبكة. في تلك اللحظة بالذات، دبت حياة متوحشة في الأنثى، وطاردته بضراوة. تدلى الذكر الضعيف بخيط نحو الأسفل، فقلدته حبيبته ببراعة، وسقط الاثنان على حافة النافذة. بذل الذكر كل ما أوتي من قوة للهرب، لكن فات الأوان؛ فقد أطبقت عليه الأنثى بقبضتها القوية وحملته عائدة إلى قلب الشبكة.
هناك، في المكان ذاته الذي كان قبل لحظات مهداً للغريزة، تبدل المشهد تماماً. تلوى العاشق عبثاً، وبسط أرجله الضعيفة مراراً محاولاً الإفلات من ذلك العناق المتوحش، لكن المحبوبة لم تطلق سراحه. وفي دقائق معدودة، نسجت حوله خيوطها حتى شلت حركته تماماً، ثم غرزت أنيابها الحادة في جسده، وأخذت تمتص دماء حبيبها الشاب بجرعات نهمة. رأيتها في النهاية تفك قيود تلك الكتلة الهزيلة المشوهة -بقايا أرجل وجلد وخيوط- وتلقي بها بازدراء خارج الشبكة.
هكذا هو الحب لدى هذه الكائنات.. حمداً لله أنني لستُ عنكبوتاً يافعاً!
الاثنين، 14 مارس
لم أعد ألقي ولو نظرة واحدة على كتبي. أقضي أيامي كلها عند النافذة، وحتى حين يحل الظلام، أظل جالساً في مكاني. هي لم تعد هناك، لكنني أغلق عينيّ فأراها بوضوح.. همم، لقد أصبحت هذه المذكرات مختلفة تماماً عما تخيلته؛ فهي تتحدث عن السيدة "دوبونيه" والمفوض، عن العناكب وعن "كلاريموند"، ولكن ليس فيها حرف واحد عن الاكتشافات التي جئتُ من أجلها. وهل بمقدوري غير ذلك؟
الثلاثاء، 15 مارس
ابتكرنا لعبة غريبة، أنا وكلاريموند، نلعبها طوال النهار. ألقي عليها التحية، فتردها في الحال. أقرع بأصابعي على زجاج النافذة، فلا يكاد بصرها يلتقط الحركة حتى تبدأ هي الأخرى بالنقر. ألوّح لها، فتلوّح لي. أحرك شفتيّ وكأنني أتحدث إليها، فتفعل الشيء نفسه. أزيح خصلة شعر عن صدغي، فإذا بيدها تلامس جبهتها في اللحظة ذاتها. لعبة أطفال حقيقية، نضحك عليها نحن الاثنين.. أو بالأحرى، هي لا تضحك؛ إنما هي ابتسامة هادئة، مستسلمة، تماماً كالابتسامة التي أظنني أرسمها على وجهي.
بالمناسبة، الأمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها؛ فالمسألة ليست مجرد تقليد أعمى، فلو كانت كذلك لمللنا سريعاً. أعتقد أن "تخاطر الأفكار" يلعب دوره في المسألة هنا. كلاريموند تتبع حركاتي في جزء من الثانية، بالكاد تملك الوقت لرؤيتها ومع ذلك تنفذها فوراً؛ أحياناً يخيل إليّ أننا نتحرك في آن واحد. هذا ما يغريني بابتكار حركات جديدة وغير متوقعة، ويذهلني أنها تفعل الشيء نفسه تزامناً معي. أحاول أحياناً مراوغتها، فأقوم بسلسلة حركات سريعة متلاحقة، ثم أعيدها مرة وثانية، وفي المرة الرابعة أغير الترتيب أو أحذف حركة ما، تماماً كما يلعب الأطفال لعبة "ثبت صنم". العجيب أن كلاريموند لم تخطئ مرة واحدة، رغم سرعتي الفائقة وضيق الوقت المتاح لها للتمييز بين الحركات. هكذا أقضي يومي. ولا ينتابني للحظة شعور بأنني أهدر وقتي سدى؛ بل على العكس، أشعر وكأنني لم أمارس في حياتي عملاً أكثر أهمية من هذا.
الأربعاء، 16 مارس
أليس من المضحك ألا تراودني فكرة جادة لوضع علاقتي بكلاريموند في إطار أكثر عقلانية من هذه التسلية الطويلة؟ فكرتُ في الأمر الليلة الماضية؛ بإمكاني ببساطة أن آخذ قبعتي ومعطفي وأهبط الدرج، خمس خطوات عبر الشارع، ثم أصعد درجين آخرين. هناك، سأجد لافتة صغيرة على الباب مكتوب عليها: "كلاريموند...". كلاريموند مَن؟ لا أدري، لكن الاسم مكتوب هناك. سأطرق الباب ثم... أستطيع تخيل كل شيء بدقة، أرى أمامي كل حركة صغيرة سأقوم بها. لكنني عاجز تماماً عن تخيل ما سيحدث بعد ذلك. الباب ينفتح، أرى ذلك بوضوح، لكنني أظل واقفاً أمامه، أحدق في ظلام دامس لا يسمح بتبين أي شيء. هي لا تظهر.. لا شيء يظهر؛ لا يوجد هناك أي شيء على الإطلاق، سوى ذلك السواد الكثيف الذي لا ينفد.
أحياناً، أشعر وكأن ليس هناك كلاريموند أخرى غير تلك التي أراها عند النافذة وتلعب معي. لا يمكنني تصور هيئتها بقبعة أو بثوب آخر غير ثوبها الأسود ذي النقاط الأرجوانية الكبيرة؛ بل لا يمكنني تخيلها حتى بدون قفازاتها. لو قدر لي رؤيتها في الشارع، أو في مطعم تأكل وتشرب وتتسامر.. لضحكتُ من قلبي، فالمشهد يبدو لي مستحيلاً تماماً. أسأل نفسي أحياناً: هل أحبها؟ لا أملك إجابة شافية، فأنا لم أحب من قبل. ولكن، إذا كان ما أشعر به تجاه كلاريموند هو "الحب" حقاً، فهو يختلف تماماً عما رأيته لدى رفاقي أو قرأته في الروايات.
يصعب عليّ تحديد مشاعري، بل يصعب عليّ التفكير في أي شيء لا يتعلق بكلاريموند، أو بالأحرى.. بـ "لعبتنا". فلا يمكن إنكار أن هذه اللعبة هي ما يشغل بالي دائماً، ولا شيء غيرها. وهذا أكثر ما يعجز فهمي عن إدراكه. كلاريموند.. نعم، أشعر بانجذاب نحوها، لكنه انجذاب يمتزج بشعور آخر، وبل هو نوع من التهيب. تهيب؟ لا، ليس خوفاً بالضبط، بل هو نوع من الهيبة، قلق رهيف من شيء لا أعرفه. وهذا القلق تحديداً هو ما يمنح الأمر سطوة قاهرة ولذة غريبة؛ هو ما يبعدني عنها ويشدني إليها في آن واحد. أشعر وكأنني أدور في دائرة واسعة حولها، أقترب قليلاً ثم أتراجع، أركض بعيداً ثم أتقدم من جهة أخرى، قبل أن أرتد سريعاً. حتى يأتي ذلك الوقت -وأنا موقن بحدوثه- الذي سأجد نفسي فيه مضطراً للذهاب إليها.
كلاريموند تجلس عند النافذة وتغزل خيوطاً طويلة، ورقيقة بشكل يستعصي على التصديق. تصنع منها نسيجاً لا أدري كنهه، ولا أفهم كيف يمكنها صنع هذه الشبكة دون أن تتشابك خيوطها الرقيقة أو تتمزق. ثمة أشياء غريبة في عملها الدقيق؛ كائنات أسطورية ووجوه مشوهة عجيبة. بالمناسبة.. ماذا أكتب أنا هنا؟ الحقيقة هي أنني لا أرى ما تغزله فعلياً، فالخيوط أرق من أن تُرى بالعين. ومع ذلك، أشعر أن عملها هو بالضبط كما أراه.. حين أغمض عينيّ. بالضبط هكذا؛ شبكة كبيرة تسكنها مخلوقات كثيرة، حيوانات خرافية ووجوه غريبة الأطوار...
الخميس، 17 مارس
أعيش حالة من الاضطراب الغريب. لم أعد أتحدث إلى بشر؛ حتى السيدة "دوبونيه" وخادمها بالكاد ألقي عليهما تحية الصباح. بالكاد أمنح نفسي وقتاً للأكل؛ فكل ما أريده هو الجلوس عند النافذة واللعب معها. مع كلاريموند... إنها لعبة تثير الأعصاب بحق. ينتابني شعور قوي بأن شيئاً ما سيحدث غداً.
الجمعة، 18 مارس
نعم، لا بد أن يقع خطبٌ ما اليوم. أكرر هذا لنفسي بصوت عالٍ -أتحدث بجهارة لأسمع صوتي فقط- وأذكر نفسي بأنني هنا لهذا الغرض تحديداً. لكن المصيبة هي أنني خائف. هذا الخوف من أن يصيبني ما أصاب من سبقوني في هذه الغرفة، يمتزج بشكل مريب بخوف آخر: خوفي من "كلاريموند". لم أعد أفرق بينهما. أكاد أختنق بالذعر، وأرغب في الصراخ.
السادسة مساءً
أكتب هذه الكلمات على عجالة، وأنا أرتدي قبعتي ومعطفي. حين دقت الخامسة، خارت قواي تماماً. أوه، أنا الآن موقن بأن لتلك الساعة السادسة من اليوم السادس للأسبوع سراً ما.. لم أعد أضحك على تلك الكذبة التي لفقتها لأخدع مفوض الشرطة. كنتُ جالساً في مقعدي، متمسكاً به بكل قوتي، لكن شيئاً ما كان يجرني، بل يمزقني ليقذف بي نحو النافذة. كان عليَّ أن ألعب مع "كلاريموند".. وفي الوقت نفسه، كان ذلك الرعب القاتل من النافذة ينهشني. رأيتهم يتدلون من هناك: المندوب السويسري بجسده الضخم ورقبته الغليظة، وفنان السيرك الرشيق، والرقيب القوي. رأيت الثلاثة، واحداً تلو الآخر، ثم رأيتهم معاً، معلقين من ذات الخطاف، بأفواه مفتوحة وألسنة زرقاء متدلية. ثم رأيتُ نفسي.. معلقاً وسطهم.
يا له من رعب! شعرتُ أن خوفي من إطار النافذة ومن ذلك الخطاف اللعين، لا يقل عن خوفي من "كلاريموند". لتعذرني، ولكن في غمرة ذعري الدنيء، كنتُ أخلط دائماً بين صورتها وصورة الرجال الثلاثة المعلقين بأرجلهم التي تلامسان الأرض. الحقيقة أنني لم أشعر بلحظة واحدة برغبة في الانتحار، ولم أكن خائفاً من أن أفعل ذلك بنفسي. لا، كان خوفي من النافذة ذاتها.. ومن "كلاريموند".. ومن شيء رهيب ومجهول يوشك أن يقع. كان لديَّ نزعة جامحة لا تُقهر للنهوض والذهاب إلى النافذة، وكان عليَّ أن أفعل ذلك.. حينها رن الهاتف. رفعت السماعة وقبل أن أسمع كلمة واحدة، صرخت فيها: "تعالوا! تعالوا فوراً!".
كان لصرختي المدوية مفعول السحر؛ شعرتُ وكأنها طردت كل الأشباح والظلال إلى شقوق الأرض. هدأتُ في لحظة. مسحتُ العرق عن جبيني وشربت قدحاً من الماء، ثم رحتُ أفكر فيما سأقوله للمفوض حين يصل. وفي النهاية، ذهبتُ إلى النافذة، ألقيتُ التحية وابتسمت. وكانت "كلاريموند" هناك.. تحييني وتبتسم.
وصل المفوض بعد خمس دقائق. أخبرته أنني أخيراً بدأتُ أضع يدي على أصل الحكاية، وطلبتُ منه أن يعفيني من الأسئل اليوم، ووعدته بكشف أسرار مذهلة قريباً. المثير للسخرية أنني بينما كنتُ أكذب عليه، كنتُ مؤمناً تماماً بأنني أقول الحقيقة. ولا أزال أشعر بذلك حتى الآن، رغم أن عقلي الواعي يكذبني. لا بد أنه لاحظ حالتي النفسية الغريبة، خاصة حين حاولتُ الاعتذار عن صرختي في الهاتف وتبريرها بشكل طبيعي، دون أن أجد سبباً مقنعاً. كان ودوداً للغاية، وأخبرني ألا أقلق، فهو تحت تصرفي وهذا واجبه، ويفضل أن يأتي عشرات المرات دون جدوى على أن يتأخر مرة واحدة حين أحتاجه. ثم دعاني للخروج معه الليلة لنفسح عن أنفسنا؛ رأى أن بقائي وحيداً ليس جيداً. قبلتُ الدعوة رغم صعوبة الأمر عليَّ؛ فأنا لا أحب فراق هذه الغرفة.
السبت، 19 مارس
ذهبنا إلى ملاهي "غاييتي" و"سيغال" و"لون روس". كان المفوض محقاً؛ كان خروجي واستنشاقي لهواء آخر أمراً جيداً. في البداية، انتابني شعور سيء، وكأنني ارتكبت إثماً أو كأنني جندي هارب خان رايته، لكن هذا الشعور تبدد لاحقاً؛ شربنا كثيراً، ضحكنا وتسامرنا. حين اقتربتُ من النافذة هذا الصباح، خُيل لي أنني أقرأ عتاباً في عينيّ "كلاريموند". ربما أتوهم؛ فمن أين لها أن تعرف أنني كنتُ في الخارج ليلة أمس؟ على أية حال، لم يدم ذلك إلا للحظة، ثم عادت لتبتسم. قضينا النهار كله في اللعب.
الاثنين، 21 مارس
قضينا النهار كله في اللعب.
الثلاثاء، 22 مارس
أجل، وهذا ما فعلناه اليوم أيضاً. لا شيء، لا شيء آخر على الإطلاق. أحياناً أسأل نفسي: لِمَ كل هذا؟ وما الغاية؟ وإلى أين سيقودني هذا الطريق؟ لكنني لا أجيب أبداً. فالمؤكد هو أنني لا أرغب في شيء سوى هذا. ومهما يكن ما سيأتي، فهو الشيء الذي تتوق إليه نفسي. لقد تحدثنا معاً في هذه الأيام، رغم أننا لم ننطق بكلمة مسموعة. أحياناً كنا نحرك شفاهنا، وغالباً ما نكتفي بتبادل النظرات، لكننا فهمنا بعضنا جيداً. كان حدسي صادقاً؛ لقد عاتبتني "كلاريموند" لأنني هربتُ الجمعة الماضية. توسلتُ إليها أن تغفر لي، وأخبرتها أنني أدركتُ مدى حماقة وقبح ما فعلت. غفرت لي، ووعدتها ألا أبرح هذه النافذة أبداً. ثم تبادلنا القبلات، ضاغطين شفاهنا طويلاً على زجاج النافذة.
الأربعاء، 23 مارس
أنا الآن على يقين لا يخالطه ذرة شك أنني أحبها. لا بد أن يكون هذا هو الحب؛ فصورتها تتغلغل فيّ حتى آخر خلية في جسدي. ربما يختلف حب الآخرين عن حبي، ولكن هل هناك وجه أو أذن أو يد تشبه تماماً أخرى من بين ملايين البشر؟ الجميع مختلفون، وكذلك الحب لا يتشابه. حبي غريب الأطوار، أعلم ذلك حق العلم، ولكن هل يقلل هذا من جماله؟ أكاد أكون سعيداً في هذا الحب. لولا هذا الخوف!... أحياناً يغفو الخوف فأنساه، لكن لدقائق فقط، ثم يستيقظ ثانية ليطبق عليّ. أشبهُه بفأر صغير مسكين يصارع أفعى كبيرة وجميلة، يحاول الإفلات من عناقها القوي. صبراً أيها الخوف الصغير الأحمق، فسرعان ما سيلتهمك هذا الحب العظيم.
الخميس، 24 مارس
لقد اكتشفتُ الحقيقة: لستُ أنا من يلعب مع "كلاريموند".. بل هي من تلعب بي.
إليك كيف حدث ذلك. ليلة أمس، كنتُ أفكر -كالعادة- في لعبتنا. دونتُ لنفسي خمس سلاسل جديدة ومعقدة من الحركات لأفاجئها بها في الصباح، ورقمتُ كل حركة. تدربتُ عليها جيداً لأؤديها بأقصى سرعة ممكنة، تارة بالترتيب وتارة بالعكس، ثم الأرقام الزوجية فقط فالأرقام الفردية، ثم الحركات الأولى والأخيرة من كل سلسلة. كان الأمر مجهداً، لكنه منحني متعة كبيرة؛ فقد شعرتُ أنه يقربني من "كلاريموند" حتى وأنا لا أراها. تدربتُ لساعات حتى أصبحت الحركات تجري على يديَّ كالسحر. هذا الصباح، وقفتُ عند النافذة. تبادلنا التحية، ثم بدأتُ اللعبة. ذهاباً وإياباً، كان أمراً لا يصدق كيف كانت تفهمني بسرعة البرق، وتفعل في اللحظة ذاتها كل ما أقوم به.
وفجأة، طُرق الباب؛ كان الخادم يحضر لي حذائي. تسلمته منه، وحين عدتُ إلى النافذة، وقع بصري على الورقة التي دونتُ عليها حركاتي المنظمة. وهنا صعقتُ حين رأيت أنني، طوال الوقت الماضي، لم أقم بتنفيذ حركة واحدة مما خططتُ له! ترنحتُ وكأنني تلقيتُ ضربة قوية، تشبثتُ بمسند الكرسي وارتميتُ فوقه. لم أصدق عينيّ؛ رحتُ أقرأ الورقة مراراً وتكراراً.. لكن الحقيقة كانت ساطعة: لقد أديتُ لتوّي عند النافذة سلسلةً من الحركات، لم تكن أيٌّ منها مما خططتُ له. وعاد إليّ ذاك الشعور مجدداً: بابٌ ينفتح على مصراعيه.. بابُ غرفتها. أقفُ أمامه وأحدق في الداخل.. فلا أرى شيئاً، لا شيء سوى ذلك الفراغ المظلم. حينها أدركتُ بيقين: لو أنني خرجتُ الآن، سأنجو؛ وشعرتُ حقاً أنني أملك القدرة على الرحيل. ورغم ذلك، لم أتحرك. كان ذلك لأن شعوراً طاغياً تملكني يقول: "أنت الآن تمسك بالسر.. تمسكه بقوة بين يديك". باريس.. سوف تغزو باريس!
للحظة واحدة، كان طموح غزو باريس أقوى من "كلاريموند". -- آه، أما الآن، فبالكاد أتذكر ذلك الطموح. لا أشعر الآن إلا بحبي، وفي ثناياه هذا الخوف الساكن، اللذيذ. لكن في تلك اللحظة، منحني الطموح قوةً عابرة. قرأتُ سلسلتي الأولى من الحركات مرة أخرى، وطبعتُ كل حركة في ذهني بوضوح، ثم عدتُ إلى النافذة. راقبتُ أفعالي بدقة متناهية: لم تكن هناك حركة واحدة مما كنتُ أنوي فعله! عزمتُ على حكّ أنفي بسبابتِي، لكنني وجدتُ نفسي أقبلُ زجاج النافذة. أردتُ النقر على الحافة، فإذا بيدي تتخلل شعري. لقد تأكد الأمر إذن؛ ليست "كلاريموند" هي من تقلدني، بل أنا من أفعل ما تفعله هي. كنتُ أفعل ذلك بسرعة خاطفة، كلمح البصر، لدرجة أنني كنتُ لا أزال أتوهم أحياناً أن الإرادة تنبع من داخلي أنا.
إذن، أنا الذي كنتُ فخوراً بقدرتي على التأثير في أفكارها، لستُ سوى دميةٍ تحركها هي بالكامل. لكن هذا التأثير رقيقٌ جداً، ناعمٌ للغاية.. أوه، لا يوجد شيء في العالم يمنح هذا الشعور بالسكينة والراحة مثله. أجريتُ تجارب أخرى؛ وضعتُ يديّ في جيوبي، وعزمتُ بكل قوة ألا أحركهما، وظللتُ أحدق فيها. رأيتها ترفع يدها، تبتسم، وتلوح لي بسبابتها منذرةً بخفة. لم أتحرك. شعرتُ بيدي اليمنى تشرع في الخروج من جيبي، فغرستُ أظافري في بطانة المعطف. وبعد دقائق، بدأت أصابعي تنفلتُ ببطء.. خرجت اليد من الجيب، ارتفع الذراع، ووجدتني أشير إليها بإصبعي مبتسماً. كان الأمر يبدو وكأنني لستُ من يفعل ذلك، بل غريبٌ أراقبُه. لا، لا.. لم يكن الأمر هكذا تماماً. أنا، أنا من كنتُ أفعل ذلك.. وشخصٌ غريبٌ كان يراقبني. ذاك الغريب القوي الذي أراد تحقيق الاكتشاف العظيم. لكن ذاك الغريب لم يكن أنا. أنا؟ وما شأني بأي اكتشاف! أنا هنا لأفعل ما تريده هي، "كلاريموند"، التي أحبها في غمرة هذا الرعب الشهي.
الجمعة، 25 مارس
إنه يوم الجمعة، الخامس والعشرون من مارس. لقد قطعتُ سلك الهاتف. لم تعد لي رغبة في أن يقطع عليَّ ذاك المفوض الأبله خلوتي بأسئلته السخيفة، خاصة الآن، مع اقتراب تلك الساعة الغامضة... يا إلهي! لماذا كتبتُ هذا? لا توجد كلمة واحدة صادقة فيما سطرته لتوّي. كأنَّ يداً خفية هي التي تقود قلمي. لكنني أريد.. أريد.. أريد أن أخطَّ هنا الحقيقة كما هي. يكلفني الأمر مقاومةً تفوق الوصف، لكنني سأفعلها. لمرة واحدة أخيرة.. سأفعل ما أريده أنا. لقد قطعتُ سلك الهاتف.. آه.. لأنني كنتُ مضطراً. ها قد كتبتُها أخيراً! لأنني كنتُ مجبراً، مجبراً تماماً. وقفنا عند النافذة صباح اليوم نلعب. لقد تغيرت لعبتنا منذ الأمس؛ هي تقوم بحركة ما، وأنا أقاومها بكل ما أوتيتُ من عزم، إلى أن أجد نفسي مضطراً للخضوع في النهاية، لأنفذ ما تريده بلا إرادة. ولا أستطيع وصف تلك اللذة العجيبة الكامنة في هذا "الانهزام"، في ذاك الاستسلام المطلق لمشيئتها.
كنا نلعب، وفجأة، نهضت وعادت إلى داخل الغرفة. كان الظلام هناك كثيفاً لدرجة أنني لم أعد أراها؛ بدت وكأنها تلاشت في العدم. لكنها سرعان ما عادت، تحمل بين يديها هاتفاً مكتبياً يشبه هاتفي تماماً. وضعته مبتسمةً على حافة النافذة، وأمسكت سكيناً وقطعت السلك، ثم حملته وعادت به إلى الداخل. ظللتُ أقاوم لنحو ربع ساعة. كان خوفي أعظم من أي وقت مضى، لكنه زاد من لذة ذاك الشعور بالهزيمة البطيئة. وفي النهاية، أحضرتُ جهازي، وقطعتُ السلك، ثم أعدته مكانه فوق الطاولة. هكذا حدث الأمر. -- أجلس الآن إلى طاولتي؛ شربتُ الشاي، وقد أخرج الخادم الأواني لتوّه. سألته عن الوقت لأن ساعتي لا تعمل بدقة. إنها الخامسة والربع.. الخامسة والربع تماماً.
أعلمُ أنني إذا رفعتُ بصري الآن، فستقوم "كلاريموند" بفعل شيء ما. ستفعل شيئاً سأجد نفسي مرغماً على تقليده. ورغم ذلك، أرفع بصري. ها هي ذي واقفة هناك تبتسم. آه.. لو كان بإمكاني فقط أن أشيح بنظري عنها! لكنها الآن تتوجه نحو الستارة. تنزع الحبل.. إنه أحمر اللون، تماماً كحبل نافذتي. تصنع منه أنشوطة، ثم تعلقها في ذاك الخطاف الحديدي أعلى إطار النافذة. تجلس الآن.. وتبتسم. -- لا، لم يعد ما أشعر به يُسمى خوفاً. إنه ذعر مروع، يطبق على صدري، ومع ذلك لا أقبل بمبادلته بكنوز الدنيا. إنه قهر من نوع فريد، ومع ذلك يفيض بلذة غريبة في قسوته التي لا مهرب منها. بإمكاني الآن أن أهرع وأفعل ما تريده، لكنني أنتظر، أصارع، وأقاوم. وأشعر بهذا الدافع يزداد قوةً مع كل دقيقة تمر...
* * * عندما لم يتلقَّ مفوض الشرطة في الحي التاسع أي رد على اتصالاته الهاتفية المتكررة، ساوره القلق، فاقتحم فندق "ستيفنز" في تمام الساعة السادسة وخمس دقائق مساءً. وفي الغرفة رقم (7)، وجد جثة الطالب "ريتشارد براكمون" متدلية من إطار النافذة، في ذات الوضعية تماماً التي وُجد عليها سابقوه الثلاثة.
إلا أن جانباً واحداً من المشهد كان مختلفاً؛ فقد كانت ملامحه مشوهة بذعر رهيب، وعيناه جاحظتين تكادان تخرجان من محجريهما. أما شفتاه فقد كانتا متباعدتين، وأسنانه القوية مطبقة بعنف وقسوة. وبين ثنايا تلك الأسنان، كانت تقبع جثةُ عنكبوت سوداء ضخمة، مهشمة ومسحوقة، تملأ ظهرها نقاط أرجوانية غريبة. وعلى الطاولة، استلقت مذكرات طالب الطب. قرأها المفوض بذهول، ثم هرع على الفور إلى البناية المقابلة.. وهناك، اكتشف أن الطابق الثاني خالٍ تماماً منذ شهور، وخلال هذه الفترة لم يسكنه أحد قط.





