التفكير الإيجابي
التفكير الإيجابي
ولماذا قد يكون مؤذيا؟
بقلم: فيلهلم شميد
ترجمة: ف٠ ف٠ ع
لا يكاد يخلو كتاب في التنمية البشرية أو علم النفس الشعبي من تمجيد "التفكير الإيجابي". لقد تحول الأمر في العقدين الأخيرين إلى ما يشبه العقيدة التي يعتنقها الناس بحماس ديني غريب، حتى اجتاحت هذه الثقافة كل تفاصيل حياتنا.
يروج المبشرون بهذا الفكر إلى أنه "الطريق الأوحد لتحقيق الذات"؛ فمنذ اللحظة التي تفتح فيها عينيك صباحاً، عليك أن تشحن نفسك بجرعة مكثفة من "الإيجابية" لتصل إلى حالة من الرضا الجسدي والنفسي التام. وبما أن الأفكار السوداوية لا تجلب إلا الغيظ والحزن، فلا بد من استئصالها وإحلال "التفاؤل العميق" محلها، وكأن أي شعور بالضيق هو "خطيئة" ناتجة عن خلل داخلي أو تفكير سلبي محض.
ولعل أجيال المستقبل ستتعجب من استماتتنا في التشبث بالتفاؤل في عصرنا هذا، وكأننا نهرب من واقع يزداد سوءاً بالانغماس في أوهام إيجابية. وبسبب استحالة خلق عالم خالٍ من المنغصات، تحول التفاؤل إلى "قيد" أو "واجب" ثقيل، يضطرنا للتظاهر بالسعادة في وقت كان الأجدر بنا فيه الالتفات إلى كوارث حقيقية، كالأزمات الاجتماعية والدمار البيئي.
طوق نجاة أم فخ؟
بالطبع، للتفاؤل ميزة لا تُنكر؛ فهو يمنحنا طوق نجاة وسط طوفان الأخبار السيئة. لكن المعضلة تبدأ حين يقرر المرء إغلاق عينيه عن كل ما هو سلبي، وحينها تتحول أبسط عثرة إلى صدمة مروعة. وهنا، ربما يجدر بنا عكس المعادلة وتجربة ما يمكن تسميته بـ "التفكير الواقعي المتشائم".
تقوم هذه الفكرة ببساطة على توقع "الأسوأ" دائماً، سواء تعلق الأمر بالظروف المحيطة أم بالعلاقات بين البشر. والمفارقة أن هذا المنهج يثمر نتائج إيجابية مذهلة؛ فمن يتبناه نادراً ما يُصدم بالخيبة، وإذا حدث وخُذل، فإن المفاجأة تكون سارة دائماً. فإذا وقع المحذور الذي توقعه، فإنه يواجهه بذهن مستعد ورؤية صافية؛ أما إذا نجت الأمور ومرت بسلام، فإن بهجته تضاعف، ويستمتع بوعي بسلامة الحال التي قد يراها المتفائل أمراً عادياً لا يستحق الاحتفاء.
باختصار: المتشائم "الواقعي" إما أن تصدق توقعاته أو يختبر ما هو جميل؛ أما المتفائل، فإنه دائماً على موعد مع صدمات لم يحسب لها حساباً. وهذا ما أشار إليه الفيلسوف "إيمانويل كانط" حين نصح بعدم رفع سقف التوقعات فيما يتعلق بالبشر والحياة عموماً، فمن ينتظر "المتوسط" لن تكذبه الأيام، بل وقد تدهشه الحياة بمباهج غير متوقعة.
وهم الكمال وحقنا في "المزاج السيئ"
في الواقع، فكرة "الكمال" في الحياة اليومية هي وهم لا وجود له. فالحياة مليئة بأيام باهتة لا تستحق العناء، فلماذا نحاول قسراً إلباسها ثوب "بهجة الحياة"؟ ولماذا نجلد أنفسنا لنبدو في "مزاج رائع" ومرح دائم؟ من حق الإنسان أن يكون في مزاج سيئ، ومن حقه أن يهرب من هذه النظرة الأحادية للإيجابية.
ويتجلى هذا الفرق بوضوح في الموقف من "النجاح"؛ فالتفكير الإيجابي يحول النجاح إلى "هوس" وقسر، بينما يتعامل معه التفكير المتشائم بمرونة أكبر. لا يعني هذا تبني موقف زهدي إزاء النجاح، بل يعني ألا نرهن حياتنا به، وألا نرتعد أمام الفشل. بل إن النجاح نفسه يستحق نوعاً من الريبة؛ فقد يكون أحياناً "فخاً" دنيئاً للسقوط، فالغرور الذي يصاحب النجاح قد يكون مقتلاً لصاحبه، وقليلون هم من يحسنون التعامل مع بريق الانتصارات. لذا، فإن فن العيش الحقيقي يتطلب قدرة على استيعاب النجاح بحذر، تماماً كما نستوعب الفشل.
بين الرواقية القديمة والبرمجة المعاصرة
تاريخياً، لم تكن هذه "البرمجة الإيجابية" اختراعاً حديثاً، بل عرفتها الفلسفات القديمة كـ "الرواقية". لكن شتان بين الأمرين؛ فالحكماء القدامى لم يغيبوا عقولهم بالادعاء بأن كل شيء رائع، بل كانوا يمارسون التدريب الاستباقي على المصائب المحتملة. كانوا يتخيلون الأسوأ لكي لا يباغتهم الواقع، ولكي يظلوا أسياداً لتصوراتهم لا عبيداً لها.
أما التفاؤل المعاصر، فهو يفتقر لأي عمق فلسفي؛ بل إنه يذكرنا بصور مشوهة من التاريخ الشمولي للقرن العشرين، حين كانت السلطات تسعى لإسعاد الجماهير قسراً لتغييب وعيها. نرى ذلك بوضوح في عالم الأعمال اليوم، حيث تفرض "النبرة الواثقة" التي لا تقبل الشك، وتُقمع أي تساؤلات نقدية بدعوى "السلبية".
ملكة النقد هي الملاذ
إن التفكير الواقعي هو ما يحفظ لنا ملكة النقد الضرورية لتدبير وعيش حياتنا بوعي ويقظة. فبدلاً من الإيمان الأعمى بأن كل شيء سيكون "بخير"، الأجدر بنا أن نسأل: "بخير لمن؟" وما هي المصالح التي تخدمها هذه الصورة البراقة؟ وما هو اليأس الكامن الذي يدفع الناس للتشبث بقشة التفاؤل السطحي؟
هذا التفكير لا ينبع من اليأس، بل من التحفظ واليقظة تجاه الوعود البراقة بـ "الانتصار الحتمي للخير". إن السبب الحقيقي لأزماتنا اليوم -اقتصادياً وبيئياً- هو أننا أفرطنا في التفاؤل وتجاهلنا صفارات الإنذار التي كانت تصرخ منذ زمن. التفكير الإيجابي المفرط يعطل "مجسات الخطر" لدينا ويجعلنا نسخر من أولئك الذين يدقون ناقوس الخطر بوصفهم "محبطين".
آن الأوان لنتوقف عن التفاؤل الساذج. لنتدرب في قلب الأزمة على تسمية الأشياء بمسمياتها، والنظر للواقع بعين مجردة لا تغطيها مساحيق الإيجابية. عندها فقط سنمتلك القدرة على البحث عن مخارج حقيقية، وإلا سنظل نراوح مكاننا في هذا المأزق لوقت طويل.


مقال رائع فعلاً ربما ينظر الناس أن تصنع الإيجابية في غير وقتها اسهل من مواجهة الصدمات والتعامل معها بجدية لذا يختارون الطريق الأسهل متناسين أننا لسنا في عالم وردي بل حياة واقعية تجمع التناقضات من المشاعر وهذا مايشعرنا بمعنى الحياة .