عن الصداقة الحقة. بقلم: ألان (إميل شارتييه)
عن الصداقة الحقة
ترجمة : ف٠ ف٠ ع
الصداقة عهد حرٌّ ومبهج يقطعه المرء على نفسه؛ عهدٌ يحوّل الميل العاطفي الفطري إلى وفاق متين لا تزعزعه الأيام، متسامٍ سلفا فوق حميّا الأهواء، وحسابات المصالح، وتنافس الأقران، وتقلبات الأقدار. هذا هو تعريفي المقترح لعاطفة طالما تغنى بها الشعراء بقدر ما خانها البشر. إني لأعلم يقينا أن الجميع سيرفض هذا التعريف في البداية، لكني أعلم بالقدر نفسه أنهم ما إن يتأملوا مليا ويكتشفوا أن رفض هذا التعريف هو هدمٌ لمعنى الصداقة من أساسه, حتى يفيئوا إلى رأيي وينضووا تحت لوائه.
لذا، أجدني أستدعي البشر اليوم إلى برلمان خيالي؛ فأستمع إلى سجالاتهم واعتراضاتهم، وأشعر بذبذبات اهتمامهم العارم، وتتراءى لي مآقيهم البرّاقة وهي تشخص كلها نحو بؤرة واحدة. إنها لحظة تستيقظ فيها الإنسانية وتتعرف على جوهرها، تماما كما أستشعره في أعماق نفسي.
ومن منا لم يخذل الصداقة يوما؟ إننا لا نكف عن فعل ذلك. فهذه العاطفة تترنح كشعلة ضئيلة، وكثيرا ما تخبو حتى تكاد تنطفئ، وما ذلك إلا لأن المودة الفطرية تصيبها فترات جفاء، وتعتريها ثغرات شتى. ولهذا السبب تحديدا أسميتها "عهدا يقطعه المرء على نفسه". من منا لم يندم على لحظة غياب أو جفاء تجاه صديقه؟ لكن من منا أيضا لم يجدد ذلك العهد الجميل، ضاربا بعرض الحائط كل الأسباب القاهرة التي تدفعه للقطيعة؟ إن مشاعرنا الإنسانية بحاجة إلى أن نحملها على أكفّ الرعاية والاهتمام، وخصوصا هذه العاطفة بالذات؛ إذ تتطلب إرادة صلبة وعزما لا يلين، وإلا لصار الأمر يسيرا مبتذلا، ولأصبحنا نطالع مؤشر الصداقة كما نرقب عقارب الساعة؛ فنحب لمجرد أننا نشعر بالدفء، وننسى لمجرد أننا نحس بالبرد.
يقول الإنسان الواقعي: "مشاعرنا مجرد حقائق واقعية تفرضها الظروف". حسنا، فلنجرب إذن صياغة هذا العقد العجيب للصداقة وفق منطقهم: «أنا صديقك طالما سمحت الظروف بذلك؛ فالأمر رهن بمزاجي ولا أضمن لك شيئا. وفجأة في صباح غد مشرق، قد أكتشف أنك لم تعد تعني لي شيئا، وسأخبرك بذلك بكل صراحة!». إن مثل هذا الكلام، في أي لغة ومنطق، لا يعني سوى شيء واحد: أن المرء لا يحب أصلا. كلا، وألف كلا؛ لا مكان للشروط هنا، فمن غدا صديقا مرة، يظل صديقا أبد الدهر.
وهنا يدخل الفيلسوف الأخلاقي إلى الحلبة ليعترض قائلا: «مهلاً! ماذا لو تبين أن صديقك هذا نذلٌ لا يستحق الاهتمام؟ أو تراك تظل تحبه حتى وإن قادك ذلك إلى غياهب السجون، أو المعتقلات، أو حتى حبل المشنقة؟».
يبدو هذا الاعتراض وجيها في الظاهر، لكن المعدن الحقيقي للقلب البشري يتجلى في الملمات والشدائد، وتلك الاعتراضات هي ما يعيد بوصلته إلى الاتجاه الصحيح. لقد حلمت ذات مرة بأنني أُقاد إلى ساحة الإعدام رميا بالرصاص على وقع ألحان موسيقية، وكان صديقي واقفا هناك عند عمود الإعدام. لم يعد لي في العالم سواه، لكني كنت أحظى بوجوده، وبدا لي هذا المشهد على غرابته طبيعيا جدا. طبعا، الخيانة والفرار هما أيضاً من الأمور الطبيعية في جبلة البشر، لكنها طبيعة دنيئة لا يفخر بها أحد؛ في حين أن كل إنسان سيفخر في أعماقه لو أنه شد أزر صديقه في محنة حالكة، حتى وإن واجه في سبيل ذلك سخط الجميع. أقول سخط الجميع؟ كلا، بل إن الجميع في سرائرهم سيكبرون في هذا الصديق ثباته الراسخ. قد تنكرون هذا الآن، لكنكم في دواخلكم تؤيدونه دون شك.
اذكروا "فوكيه"، ذلك الصديق الوفي لبطل الرواية "جوليان سوريل"؛ واذكروا "شموكي" عند بلزاك، وفي أعمال الكاتب نفسه، تأملوا الصداقة المتينة بين "دارتيز" و"ميشيل كريستيان"، رغم أن أحدهما كان ملكياً والآخر اشتراكيا. اقرؤوا هذه النصوص البديعة وأعطوا خيالكم مساحة للتأمل؛ وأعلم أنكم سوف تستسلمون لسحر هذا السمو الإنساني، تماماً مثل "جوليان" الذي كان يصر على ألا يؤمن بأي شيء، إذ قال لصديقه: «السيد دي لافاليت كان بريئا، أما أنا فمذنب... وإنك دون أن تقصد تحملني على التفكير في الفارق بيننا». ومن الواضح أن صديقه "فوكيه" لم يكن يكترث لهذا الفارق أصلاً.
هل ترون أننا ابتعدنا عن أرض الواقع؟ يقينا نحن كذلك؛ لأني أعرف الصداقة كما ينبغي لها أن تكون في أبهى صورها، لا تلك المشاعر الباهتة التي تتشح بزيف هذا الاسم النبيل.
فلنعد إذن إلى لغة الواقع الجافة، فهي الأخرى ستقودنا إلى النتيجة نفسها. دعونا نحاول صياغة عقد آخر للصداقة: «أنا صديقك، بشرط أن تسير على الصراط المستقيم. وطالما أنني راضٍ عنك، ومؤيد لكل أفكارك وسلوكياتك، فاعتمد عليّ؛ أما إذا حِدت قيد أنملة عن الدرب الذي أراه درب الفضيلة، فسأكون أول من يتخلى عنك... اسمعني جيداً: سأكون الأول!».
يا لها من وعود رقيقة وبائسة! أمام منطق كهذا، يحق للصديق المحبوب "جداً" أن يطلب قائمة مصغرة بالمحرمات التي تخرجه من جنة هذه الصداقة! وتتحول الصداقة حينها إلى صفقة خاضعة للمساومة والجدال، كعقود البيع والإيجار. إن هذا الصنف من الأصدقاء يعدك، باختصار، بأن يدعمك طالما أنك لست بحاجة إلى دعم!
حسبنا هذا؛ فإني ألمح الآن في المآقي بريق الأمل، على الأقل في أن نكون أوفياء برغم كل شيء وضد كل شيء. فلولا هذه النزعة النبيلة المتأصلة في الإنسان منذ الأزل، كيف لنا أن نميز بين ما له قيمة حقيقية في هذه الحياة، وبين ما لا قيمة له على الإطلاق؟
تحياتي


