فن العيش: كيف نواجه تحديات الحياة المعاصرة؟
للفيلسوف الألماني فيلهلم شميد
ترجمة: بكاي كطباش
ما الذي نعنيه بـ "فن العيش"؟ ولماذا نحتاجه، وإلى أي غاية يسعى؟
في البداية، كنت أنا من شعر بالحاجة الماسة إلى "فن العيش". لماذا؟ لأنني نشأت في قرية بافارية صغيرة، حيث كانت الحياة تسير وفق منظومة صارمة من التقاليد والأعراف التي يؤطرها الدين. كان الجميع هناك يعرفون تماما كيف ولماذا ينبغي أن تعيش. لكنني في شبابي ضقتُ ذرعا بتلك القواعد، وتاقت نفسي إلى أفق أرحب، فانتقلتُ إلى المدينة الكبيرة المجاورة، وكان ذلك انتقالاً إلى عالم "الحداثة". والحداثة في جوهرها هي مسار تحرّر من سلطة الدين والتقاليد والأعراف. غير أنني وجدت نفسي فجأة أمام "فراغ داخلي" موحش على نحو لا يطاق؛ ومن خلال أحاديثي مع الكثيرين، أدركت أن هذا الإحساس ليس استثناءً يخصني، بل هو تجربة إنسانية شاملة.
نحن أبناء هذا التحرّر، نرث اليوم "فراغه" ونحاول أن نتعلم كيف نتعايش معه. لقد عدتُ لتوّي من رحلة طويلة حول العالم، وتبيّن لي أن صدى هذا الشعور يتردد في بلدان شتّى؛ فبينما يتصالح البعض مع الحداثة، يخشاها آخرون، بل ويمقتها البعض ويسعى للهروب منها بأي ثمن، ولعل في ذلك تفسيرا لبعض التحولات الحادة التي نراها في مجتمعاتنا اليوم. والحقيقة أن حرية أن يجد الإنسان لنفسه "بوصلة ذاتية"، حتى في المجتمعات الحديثة، هي مهارة لم تُتعلَّم بعد بشكل كاف٠ ومن هنا تحديداً يبدأ فن العيش: إذ أن مهمته الأساسية هي ملء هذا الفراغ.
ويبدو لي أن هذا المسار يجب أن يبدأ بالعلاقة مع الذات. ولا ينبغي فَهْم ذلك كدعوة للأنانية؛ فالمسألة ببساطة هي أنني لا أستطيع تدبير شأن أحد قبل أن أدبر شأني الخاص. الآخرون لن يقبلوا أن أملي عليهم ما يفعلوه، لذا عليّ أن أتعامل مع نفسي أولا، وأن أصفّي صراعاتي الداخلية وصولا إلى مصالحة حقيقية مع ذاتي. وحين تغيب المرجعية المفروضة من دين أو تقاليد، يصبح تحديد موقفي وسلوكي مسؤوليتي الشخصية. هذه المصالحة ليست نرجسية، ولا هي معيار جديد يُفرض علينا، بل هي "هيئة" نختارها بإرادتنا؛ فلا أحد يمكنه أن يختارها نيابة عنا. ويمكن بلورة ذلك في سبعة محاور أساسية:
01. تحديد العلاقات الأكثر أهمية في حياتي
ما هي العلاقات التي تمثل بؤرة اهتمام حقيقي بالنسبة لي؟ سواء كانت في العائلة، أو الحب، أو الصداقة، أو العمل؛ أيها أعدّه جزءاً لا يتجزأ من كينونتي؟ أنا وحدي من يملك الإجابة، وأنا القادر على منح من أحبهم العناية التي تجعل حضورهم في حياتي أكثر عمقا وأصالة . إن تعريف الذات من خلال الآخرين ينبع من "البهجة" التي تمنحها لنا الرفقة، ومن إدراك أن العيش المنفرد أمر عسير وغير مرغوب. فالإنسان الذي يعيش ضمن شبكة علاقات يمتلك "جهاز مناعة اجتماعيا" يخفف عنه ضغوط ومنغصات الحياة. وحتى في أصعب الظروف، تصبح الأمور أيسر حين يتقاسمها الكثيرون. أهناك من يعاديني؟ ليكن! فهناك في المقابل من يحبني، وربما يعشقني، فما بالي ببقية العالم!
02. تحديد أهم التجارب في حياتي (بحلوها ومرها)
أي من تجاربي السابقة أصبح جزءا أصيلا مما أنا عليه اليوم، لدرجة أنني بدونه لن أكون نفسي؟ حين يداهمني الشك، أستعيد توازني بالتذكر: «هذه خبراتي، وهذا ما صاغني». بالنسبة لي، كانت رحلة إلى الهند لثلاثة أشهر في زمن الدراسة تجربة حاسمة؛ كانت "صدمة ثقافية" كشفت لي أن كل شيء يمكن رؤيته بشكل مغاير تماماً في ثقافة أخرى: الحياة، والعيش المشترك، والحب، الدين، والسياسة، وموقعي في هذا العالم، وحتى الموت وما بعد الموت. منذ ذلك الحين، أيقنت أن التعالي على الثقافات الأخرى ليس من الحكمة في شيء ، وأن "فن العيش المتجدد" يجب أن ينفتح على المجتمع الإنساني ككل، لا على مجتمعي الضيق فحسب.
03. تحديد ما أعيش من أجله
ما هو الحلم الذي يطاردني، والرغبة التي تقودني، والإيمان الذي يحركني؟ ما الطريق الذي اخترته لنفسي، بغض النظر عما إذا كان قد انتهى بي إلى هدف محدد أم لا؟ عندما نلبي احتياجاتنا الأساسية، نحتاج لغايات تمنح حياتنا "المعنى". نريد أن نعرف لماذا نعيش ونعمل، وربما لماذا نعاني، لنقول لأنفسنا: «ما أفعله ليس عبثاً؛ هذا مكاني، وهذه مهمتي، وهذا هو الواجب والفكرة التي أناضل من أجلها». الوعي بهذا المعنى ضروري لتوجيه بوصلة الحياة؛ فالشجاعة في مواجهة التحديات تتضاعف بوجود غاية، وحيثما وُجد المعنى، وجد العزاء في أوقات الشدة.
04. تحديد القيم التي تهدي السلوك
ما هي القيم التي أراها جديرة بالاتباع؟ وأيها أختار حين أحتار بين الحرية والالتزام، أو المخاطرة والأمان، أو التقشف والسخاء؟ يشتكي الكثيرون من فقدان القيم في المجتمع، لكن الأرجح هو أن الناس لم يعودوا يمتلكون قيماً واضحة، أو يحاولون فرض قيمهم الشخصية على الآخرين، أو يكتفون بالتنظير دون ممارسة في الواقع الملموس . إن قيمة مثل "الاستقامة" هي قيمة جوهرية تضمن استدامة العلاقات وفاعلية المؤسسات، ومن خلالها نجسد الصدق والشجاعة والوفاء، وقيم التضامن والاحترام، وحتى القيم الديمقراطية كالتسامح والشفافية.
05. تحديد العادات
ما هي العادات التي أريد رعايتها لتكون ركيزة لي؟ الانفتاح على الجديد ضروري، لكن العادات تيسّر الحياة لأنها لا تستهلك طاقتنا؛ فلا حاجة للتفكير الدائم أو التنظيم المستمر، ما دامت الأشياء تسير بسلاسة. في صخب الحياة الحديثة، تمنحنا العادات "إيقاعاً" وملاذا آمنا. وإذا أردتَ كسر الرتابة، يكفي أن تغير تفصيلا صغيرا: ضَع مفاتيحك في مكان مختلف، أو حوّل فطورك اليومي لتجربة متجددة مع أشخاص مختلفين. وإذا أصبحت عادة ما عبئا عليك، يمكنك تغييرها، لكن الأمر يحتاج وقتا وجهدا لكي تستقر العادة الجديدة وتصبح ركيزة من ركائز سلوكنا من جديد.
06. تحديد المخاوف والجراح والصدمات بوصفها جزءاً من الحياة
هذا هو الوجه القاتم للوجود. من الطبيعي أن نرغب في التخلص منه، لكن إذا تعذر ذلك، فليس أمامنا إلا أن ندمجه في ذواتنا بدل الصراع العقيم معه: «هذا أيضاً جزء مني». الدعم النفسي قد يخفف وطأة الألم، والعون القانوني قد ينصف المظلوم، وإعادة تأويل ما حدث يمكن أن تحوّل المعاناة إلى قوة للتمكين الذاتي. فالحساسية التي تنتعش وتتطور خلال تجاربنا المؤلمة تمنحنا القدرة على مساندة من يمرون بظروف مماثلة، والعمل على تغيير الشروط التي تُنتجها. وفي كل الأحوال، يظل اختبار "الجمال" هو القوة الموازنة التي تعيننا على احتمال القبيح.
07. تحديد معنى الجمال بالنسبة لي
هذا هو الوجه المشرق. اسأل نفسك: ما الذي أعدّه جميلا؟ وأين أجده؟ وماذا أفعل لأتذوقه واختبره من الداخل؟ إن استشعار الجمال يمتد ليشمل كل شيء؛ بدءاً من جمال الطبيعة والإنسان والفن، وصولا إلى جمال التقنية والأشياء الواقعية، وحتى الخيالات،والأجواء الحالمة، والتجارب الآسرة. فحين ندرك الجمال بوعي، يصبح مصدر قوة يعيننا على تجاوز أشد التجارب تعقيداً. الجمال يخفف وطأة الحياة لأنه موضوع إقرار واحتفاء، ويساعدنا على التكيف مع جراحنا. الاستعداد لأن نقول "نعم" لشيء ما، تحت أي ظرف، يشكل نبعا لا ينضب للحياة، إذ نستمد منه طاقة متجددة باستمرار.
إن ما يهم حقا في الحياة هو ما يتيح امتلاءك الداخلي؛ فهو الذي يردم الفراغ الذي خلّفته الحداثة داخلك. تجد الامتلاء في كل ما ترى له معنى، وفي كل ما تلمح فيه جمالا، وفي كل ما يمنحك رضا عميقا. وتغدو حياتك فريدة حين تستثمر غناها بطريقتك الخاصة: بانتباهك إلى الآخرين، وبخبراتك في السراء والضراء ، وبآمالك المتبدّلة وخيباتك، وبنجاحاتك وإخفاقاتك، وبمساراتك وانعطافاتك الخاطئة والموفقة. وخارج اللحظات المكثفة، يمكن العثور على الامتلاء في اختبار طيف الحياة بأسره واستكناه أعماقه.
والمفارقة أن الحياة التي قد تعترضها التعقيدات والإخفاقات قد تمنح شعورا أصدق بأننا نلامس جوهر الوجود ونعيش التجربة في كامل زخمها؛ بينما قد تقود حياةٌ هينة لينة إلى تفاهة وجودية لا تُطاق، وإلى فقدان الإحساس بأهمية الحياة ذاتها. إن الحياة تصبح أيسر حقا حين نُقِرّ بـ بنيتها المتناقضة، بل ونحبّها كما هي . ذلك هو فنّ العيش، ولهذا نحتاج إليه.



رائع ..
رائع ..