أسرار فن الإقناع ٠ بقلم: ألان (إميل شارتييه)
أسرار فن الاقناع
بقلم: ألان (إميل شارتييه)
ترجمة: ف٠ف٠ ع
لا يقوم فن الإقناع في جوهره على تقديم الحجج والبراهين؛ فمن السذاجة أن تهاجم حصنا بوابل من الأدلة والحجج القوية لتفتحه، لأنك بذلك كمن يعلن الحرب بالمدافع، مما يدفع الطرف الآخر -الذي يشعر بأنه محاصر- إلى قطع جسور التواصل فورا. لهذا السبب، تعتمد متعة الحديث على طرح ما هو مألوف ومقبول، مع إضفاء لمسة من التجديد عليه إن أمكن. هذا التلاعب الذكي بالأفكار، والذي نسميه "الفطنة"، يهدف إلى إثارة الاهتمام دون التسبب في القلق. أما من يحاول تقديم المواعظ في غير سياقها، فنصفه بالمتفيقه أو المدّعي٠ ومن الغريب أن هذا الوصف المرتبط أصلا بمهنة التعليم بات يحمل دلالة سلبية توحي باللوم. وهذا بحد ذاته إنذار بأن ممارسة دور المعلم خارج أسوار المدرسة محفوفة بالمخاطر. ولكن، كيف نتصرف إذا أردنا حقا تغيير قناعات شخص ما؟
الأرضية المشتركة
القاعدة الذهبية هنا هي أن تبدأ من رأي الشخص الآخر لا من رأيك الخاص. والكتاب لا يحيدون عن هذا النهج أبدا، بل إن للكاتب ميزة إضافية؛ فهو لا يظهر أمامك مباشرة، ولا يتربص بك ليقتنص هفوة أو موافقة عابرة صدرت منك دون تفكير، لذا نحن لا نتوجس من الكاتب كما نتوجس من شخص ماثل أمامنا. ومع ذلك، يحرص الكاتب على التموضع أولا في منطقة "المسلمات المشتركة". فها هو "لابرويير" يفتتح كتابه بقوله: "كل شيء قد قيل سلفا"، وهي مقدمة ذكية لكتاب مليء بالأفكار المبتكرة واللاذعة. وهذا يشبه أسلوب بائع السكاكين حين يبدأ عرضه بقوله: "ما سأقوله لكم، تعرفونه تماما مثلي". وحتى سقراط، لم يتخل قط عن منهجه القائم على استقاء المعرفة من آراء الآخرين، فكان الناس يلتفون حوله وهو يردد دائما: "أنا لا أعرف شيئا".
استراتيجية الاحتواء
يدرك المحامون البارعون أهمية بسط رأي الخصم وتدعيمه، بل ويسعون لفهم وجهة نظر القاضي وتأييدها خاصة إذا شعروا أنها تخالف توجههم. إن من يستعرض حجج خصمه مسبقا يحقق مكسبا كبيرا؛ فهو يثير اهتمام من عزموا على الصمت، وينتزع الموافقة ممن كانوا يستعدون للرفض. قد يبدو هذا في المحاكم مجرد مناورة شائعة، لكنك حين تطبقه بحسن نية، ستجد نفسك أقوى بكثير. حتى السياسة، برهبتها وتعقيداتها، يمكن أن تصبح مادة للتحاور إذا استمعت إلى مبررات الطرف الآخر بدلا من فرض مبرراتك الخاصة. هذا المسلك هو مسلك المودة والسلام؛ فبمجرد أن تفترض حسن النية في الآخر، سيصبح كذلك بالفعل، ويستعيد هدوءه، وبدلا من أن يحاول كسر الباب، سيفتحه لك طواعية.
الحق في الشك
ما من إنسان إلا ويحب الحكمة في أعماقه؛ فمفاهيم مثل العلم، والرزانة، والشجاعة، تستهوي الجميع وهي محور كل حديث. لكن الجميع يخشى الجدال المحكم٠ إذا حاصرت رجلا بحجة لا يملك الرد عليها، حتى أوقعتَه في حبائل نفسه -كما يقول مونتين- فلا تنتظر منه أن يشكرك، بل سينظر إليك كما ينظر الثعلب إلى فخ كاد أن يطبق عليه. ولنكن منصفين؛ لا يجب أن تلوم المرء حين يغادرك قائلا في نفسه: "لا شك أن هناك ردا على حديثك، لكني لم أجده بعد". فلا أحد يقتنع بحجة عجز عن الرد عليها ما لم ينبع الاقتناع من داخله أولا.
وهذا الأمر ينطبق على كافة شؤون الحياة؛ فلم أر أحدا إلا وكان حذرا كالثعلب أمام حجة تبدو "دامغة". لاحظ أن هذه القدرة على الشك، حتى عندما يتعلق الأمر بالبديهيات، هي جوهر الكيان الإنساني. فالجميع، بلا استثناء، ينظرون إلى قوة الحجة على أنها نوع من الإكراه والارغام، والمنتصر في حرب الآراء هذه لا يكسب شيئا على الإطلاق.

