عن اكتمال الحياة في حضرة الموت٠ البروفيسور : توماس فوكس
عن اكتمال الحياة في حضرة الموت
*بقلم: البروفيسور د. توماس فوكس
ترجمة: ف٠ ف٠ ع
كتب سورين كيركغور في مذكراته عام 1843:
«لا تُفهم الحياة إلا بالالتفات إلى الخلف، لكن عيشها لا يكون إلا بالمضي قدما».
وقلّما نجد أحدا لم يواجه هذه الفكرة أو يضق بها ذرعا؛ فالحياة في جوهرها عرض جديد كليا لا يعرف "البروفة" التمهيدية، بل هي منذ استهلالها حتى الختام العرض الأول والوحيد. ولا تتجلى لنا مسارات التطور ومآلات التغير طويلة المدى، ولا ندرك حقيقة قراراتنا، إلا بعد أن يطويها الحدث. وحتى تلك الأحكام التي نطلقها على ما عشناه، لا تستقيم إلا حين نستدعي الماضي ونضعه تحت مجهر القراءة المتأخرة.
وفي أواسط العمر، ينهض هذا الالتفات للماضي بمهمة "الجرد المرحلي"، فنحاول موازنة ما ابتغيناه بما تتيحه بقايا الفرص، ولعل ذلك ما يملي علينا أولى التنازلات وتصحيحات المسار. أما في الشيخوخة، فتشتد الحاجة للتوفيق بين صورة رسمناها لحياتنا وواقع آلت إليه فعليا. وكلما تجلت لنا محدودية العمر، ائتلف شتات التقييمات الجزئية لينصهر في حصيلة شاملة. ويغدو هذا الهاجس أكثر إلحاحا حين يلوح شبح الموت، سواء أكان ذلك في خريف العمر أو تحت وطأة مرض عضال.
بيد أن هذه الحصيلة لا تشبه كشف الحساب الذي يضع الربح والخسارة في كفتي ميزان؛ إنما نبتغي بذلك بلوغ "هيئة مكتملة" لحياتنا، أو ما يطلق عليه علماء نفس الغشتالت "الصيغة الحسنة"؛ إذ نصبُّ حياتنا في قوس مكتمل يمنحنا شعورا بالانسجام والامتلاء، بل وبالاكتمال أيضا، وهذا بالتحديد ما يتحقق حين نستوعب كل ما لم يكتمل وكل ما أخفقنا في إنجازه. فالمسألة تدور حول إدراك رابط ذي معنى ينتظم قصة حياتنا، وهو ما نسميه "التماسك". فنجاح الحياة في مواجهة فنائها لا يرتهن بجملة الأحداث الخارجية وتقلباتها بين صعود وهبوط، بل يعتمد على هذا الترابط الداخلي الذي نغزله من خيوط ذكرياتنا، فنستطيع —كما في الروايات— أن نميز الثيمات الكبرى والقوس العام للحكاية. إنما يكمن النجاح في رؤية الحياة كلاً واحداً، والتصالح معها بوصفها كيانا ننتمي إليه ونتماهى معه.
بيد أن هذا السعي نحو التماسك لا يخلو من صعوبة؛ إذ تعترضه انكسارات المسار، وخيبات الفشل، وتلك الإمكانات الغزيرة التي لم تُتح لنا إمكانية عيشها، وظلت مركونة عند مفترقات الطرق تنتظر دون طائل، إلى يبدو أن أوانها قد أزف الآن. إنها ترفع صوتها بإلحاح مقلق وموجع، فتحول دون الرضا بما عشناه والمصالحة مع ذواتنا وماضينا. وكثيرا ما يتردد ذلك السؤال المؤرق: «أهذا كل ما كان؟»، ويشتد وقعه حين نستيقظ على حقيقة أن أحلاما مهمة وجوهرية لن تبلغ التحقق أبداً. فما كنه هذه الحياة غير المعاشة؟ وكيف نتعامل معها؟ وهل يصح لنا أن نقول إن حياة ما قد نجحت وهي تصارع في سكرات الموت؟ تلك هي الأسئلة التي تجيب عنها التأملات الآتية.
الحياة غير المعاشة بوصفها شرطا وجوديا
يشير مفهوم «الحياة غير المعاشة» إلى تلك الفجوة التي يستشعرها المرء بين أشواقه وتطلعاته الأساسية وبين ما استطاع إنجازه فعليا، وهي فجوة غالبا ما تُدرك بصورة مؤلمة. فالتوقعات التي نضمرها والإمكانات التي نتخيلها لا تجد لها صدى كافيا في أرض الواقع، ومن هنا ينشأ "التنافر الداخلي" أو عدم الانسجام، الذي يمتزج بالندم أو الحسرة وربما المرارة.
وفي المحصلة، تنبثق «الحياة غير المعاشة» من قرارات الإنسان ذاته، ومن خطة حياته سواء أكانت واعية أم ضمنية؛ إذ إن اختيار مسار بعينه يقتضي حتما استبعاد مسارات أخرى. وقد أصاب كارل ياسبرز حين رأى أن الشرط الأول للوجود الذي لا فكاك منه هو:
«أنني، ككائن موجود، أجد نفسي دائما في وضع محدد، لا في رحاب الإمكانات قاطبة».
فنحن مدعوون للحرية —أو محكومون بها كما يقول سارتر— ولذا نجد أنفسنا مضطرين دوما لاصطفاء ما هو واقعي من بين الممكن، وللفصل بين ما نعيشه فعلا وما يبقى في طي العدم. وبما أن الممكن يفوق دائما ما تم فعلا إنجازه، فإن عالم ما لم نَعشه يفوق في اتساعه نطاق ما عشناه بالفعل. ولهذا نبقى، بضرورة الحال، دون سقف إمكاناتنا، عاجزين عن إتمام كل ما كان متاحا لنا. وهنا يتجلى معنى «الذنب الوجودي» بمعناه الفلسفي العميق: فنحن لسنا مذنبين لأننا أخطأنا، بل لأننا —بمجرد اختيارنا لطريقة عيش واحدة— قد حكمنا بالإعدام على آلاف الحيوات الأخرى التي كان يمكن أن نعيشها. إننا مدينون لأنفسنا وللعالم بكل تلك الإمكانات التي بقيت في الظل، وهذا الدَّين هو الثمن الذي ندفعه مقابل حريتنا في أن نكون أنفسنا، وبذلك نبقى مدينين لأنفسنا وللآخرين بشيء لم يبلغ درجة الاكتمال المرجوة.
وعند التأمل في الكيفية التي ينفصل بها غير المعاش عن المعاش، نجد أن ذلك يتخذ ثلاثة أشكال أساسية؛ أولها "الحرمان": حين تقف الظروف الخارجية أو العوائق المادية أو المرض حائلا دون تحقيق رغبة جوهرية. وثانيها "التنازل الإرادي": وهو الزهد الواعي الذي يمارسه الإنسان حين يتخلى عن خيار مغر لصالح قيمة أسمى، ورغم صعوبة هذا التخلي، فإنه غالبا ما ينتهي بالمصالحة. أما الشكل الثالث والأكثر إيلاما فهو "التقصير": حين يُهدر الإنسان فرصة كانت مواتية بين يديه لكنه لم يحسن القبض عليها في اللحظة الحاسمة. هذا التقصير هو ما يفتح الباب على مصراعيه لأسئلة "لو أنني فعلت" و"ليتني كنت"، والتي تتحول في أواخر العمر إلى اتهامات ذاتية قاسية.
مع ذلك، فإن ما ننجزه يستقر في ماضينا كتجربة أو كعمل، فيكتسب ثباتا ويغدو —بهذا المعنى— أكثر واقعية من الوعود التي لم تتحقق. لكن المفارقة تكمن في أن «الحياة غير المعاشة» قد تملك سطوة استثنائية تحديدا لأنها ظلت معلقة. بيد أن "تأثير زيغارنيك" في علم النفس يمنحنا مفتاحا لفهم هذا الحضور الطاغي لما لم يتحقق؛ فالأفعال غير المكتملة تظل أشد رسوخا في الذاكرة من تلك التي أتممناها فعلا، ليس لمجرد أنها لم تنتهِ، بل لأن حاجة الإنسان الفطرية إلى "التماسك الداخلي" ترفض وجود ملفات مفتوحة في قصة حياته. لذا تظل الإمكانات التي لاحت ثم اختفت كامنة وفاعلة، ترافق أيامنا كأنها صورة سلبية موازية. وهكذا يغدو غير المعاش منبعا لمشاعر النقص والذنب، لكنه قد يكون أيضا موردا للأمل وتطلعات تتجه نحو المستقبل. وكما كتب فيكتور فون فايتسكر:
«أليست الأحلام التي لم تتحقق والخطط التي لم يتم تنفيذها قط أشد أثرا من كل ما حدث فعلا؟»
الذات غير المكتملة والشعور بالاغتراب
ثمة وجه آخر أكثر خفاء ومراوغة لغير المعاش، لا يرتبط بإخفاقات عينية أو فرص ضائعة، بل يتمثل في شعور عميق بالخصام مع الذات، وبإحساس المرء أنه لا يعيش حياته بصدق وأصالة، بل كأنه في حالة انفصال دائم عنهما. وقد يباغت هذا الإحساس الإنسان منذ أواسط العمر. يقول جيرهارد فارليش، بطل رواية فيلهلم غينازينو:
«رغماً عني، يتسلل إليّ ذلك القلق المألوف: أن حياتي لا يمكن أن تستمر على حالها. والمفارقة أنني راض عن أوضاعي في الجملة، ومع ذلك أشعر بوقوع شيء غير قابل للاستمرار طوال الوقت: حياتي ذاتها».
يتضح من هذا أن «الحياة غير المعاشة» لا تقتصر على فرص ضائعة، بل ثمة إخفاق أعمق يتمثل في التفريط بإمكاناتنا وحاجاتنا الباطنية، والهرب —بدافع الخوف— من عيش حياتنا الحقيقية. ويُترجم هذا التباين إلى قلق دفين قد يتحول إلى اغتراب عن الذات، أو أزمة وجودية صريحة حين يعجز المرء عن كبح جماح هذا التنافر. وكما أوضح كيركغور وهايدغر، فإن هذا الإحساس يرتبط في جوهره باستباق ضمني للموت؛ إذ يلقي الموت بظله على الحياة من جهة نهايتها، فيكشف محدوديتها، ويُظهر الإمكانات المؤجلة التي بقيت مكبوتة في مشروعنا الحياتي.
وعندما يتفاقم هذا الاغتراب، لا نعود نختبر الحياة كمسار زمني يحتضن النمو والرضا المتولد منه، بل كزمن فارغ يتسرب بلا هوادة. وقد يقع البعض في شرك خوف حاد من الموت، لا رهبة من الفناء فحسب، بل خشية أن يباغتهم الموت قبل أن يذوقوا طعم الحياة حقا. وهذا ما صوره تولستوي في شخصية إيفان إيليتش، ذلك القاضي الذي عاش لنفسه، ثم اكتشف وهو يواجه المرض القاتل أنه لم يعش حياته كما ينبغي. يكتب تولستوي أن كل ما كان يظنه فرحا
«استحال تفاهة، بل وشيئا مقززا أحيانا.. وخطر له أنه عاش حياة لم يكن ينبغي عيشها —وأن تلك هي الحقيقة الوحيدة».
إن الخوف من خيانة الذات ظاهرة حديثة نسبيا، ويمكن فهمها بوصفها البديل "الدنيوي" للخوف القديم من الحساب الأخروي. فلم يعد الأمر يدور حول الذنب الديني، بل حول ما يبقى الإنسان مدينا به لنفسه —أو ما أسميناه «الذنب الوجودي». ومن هنا، يرتبط تعاظم مسألة «الحياة غير المعاشة» بالصراع مع محدودية العمر في ظل ثقافة الحداثة؛ فمع تراجع انخراط الإنسان في الأطر الجماعية والدينية الكبرى، غدت الحياة الفردية القصيرة ذات قيمة مطلقة، وأصبحت "تحقيق الذات" هي المهمة المركزية، حيث يكتسب الإنسان حرية صنع ذاته، لكنه يواجه خطر الإخفاق في هذا المشروع، إذ لم يعد بمقدوره "الاستمرار" في الآخرين، فوجوده فردي فريد لا بديل له.
ويتحدث هانس بلومنبرغ عن «مقص» ينفتح في العصر الحديث بين زمن الحياة الضيق وزمن العالم الفسيح: فبالموت نُطرد من الزمن المشترك، بينما يمضي زمن العالم دون اكتراث. وهذه حقيقة تشكل عبئا يضاهي فكرة قصر الحياة نفسها. ومع اتساع هذه الهوة، قد يصاب المرء بالذعر من أن يفوته الجانب الأكثر أهمية وجوهرية في الحياة، فيحاول في سباقه مع الموت أن «يربح وقتا ليحظى بمزيد من العالم». ومن هنا نفهم نزعة "التسارع" التي تنهش المجتمعات الغربية؛ فهي تنبع من رغبة وهمية في انتزاع مزيد من الوقت من قبضة الموت، وضغط عدة حيوات في عمر واحد. وتغدو «المهلة الأخيرة» رمزا لهذا السعي المحموم —فرصتنا الأخيرة قبل السكون التام.
غير أن الحياة لا تنخدع بهذا اليسر؛ فكلما تنامى حجم لهاثنا وراءها، تضخم في المقابل حجم ما فاتنا وما لم نعشه في الحاضر تحديدا. فتتعرض اللحظة الراهنة لتبخيس قيمتها بسبب ما ينقصها دوما. وفي الوقت نفسه، تضيق المدة المتاحة أمام تضخم الرغبات التي تروج لها «مجتمعات الخيارات المتعددة». ففي الماضي، كانت المسارات والإمكانات أقل، وكان الناس يحاكون حيوات آبائهم. أما اليوم، فقد صار الاختيار قيمة مركزية، وكلما اتسعت رقعة الخيارات —حقيقة كانت أم وهمية— تضاعفت التضحيات اللازمة لكل قرار. فعندما يبدو كل شيء ممكنا، يصبح اختيار احتمال واحد باهظ الثمن. وهكذا تتضخم التوقعات بلا حدود، ويزداد معها الندم على ما بقي خلف الأبواب المغلقة.
وبهذا المعنى، فإن محاولة «كسب الوقت» تقودنا للمفارقة، إذ تضخم حجم «الحياة غير المعاشة». بل قد يكمن الإخفاق الحقيقي في هذا التنقل المستمر بين الإمكانات —التي نقتنصها ثم سرعان ما نهجرها— بدلا من تذوق الحياة الفعلية. فالتسارع يعني فقدان المركز، والقلق الدائم، والسعي الذي لا يهدأ ولا يبلغ غاية معينة. وحتى دون هذا الهوس بالتسارع، فإن سعينا لتحقيق ذواتنا سيصطدم حتمًا بحدود موجعة.
في رواية "قطار الليل إلى لشبونة" يطرح بيتر بيري سؤاله الذي يتردد كصدى في أرجاء العمل:
«إذا كان صحيحا أننا لا نعيش إلا جزءا ضئيلا مما يسكننا —فماذا يحل بالباقي؟»
وهو سؤال يكاد يكون السؤال الوجودي لإنسان العصر الحديث.
في الرواية، يستيقظ خورخي ليلًا وهو يعاني رعبا من الموت، بعد أن حلم بأنه يقف أمام بيانو "ستاينواي" فخم ولا يحسن العزف، رغم أنه اشتراه مؤخرا ليحقق حلمه القديم. يستيقظ ليدرك فجأة أن البراعة في العزف «لم تعد ضمن نطاق حياته». ومن هنا يتملكه خوف الموت؛ فذلك البيانو صار تذكيرا حيا بأشياء لن يدرك إنجازها في الوقت المتاح. إنها تلك الأمور التي تمنح الحياة اكتمالها، وبدونها تبقى الحياة شظية أو مسودة غير مكتملة. وهكذا يغدو الخوف من الموت هو الخوف من ألا نصبح الشخص الذي كنا نبتغيه.
وكما تشير الرواية، فنحن نحيا —دون وعي— باتجاه نوع من الكليّة، حيث تستمد كل لحظة حيويتها من كونها قطعة في "أحجية" لم تكتمل صورتها بعد. لكن حين نوقن أن هذه الكلية لن تتحقق أبدا، تبلغ أزمة الذات ذروتها. فقبل ذلك، كان كل شيء قائما «إلى إشعار آخر»؛ إذ كان المستقبل مفتوحا ليرمم إخفاقاتنا وعثراتنا بضوء أكثر رفقا. ولكن كلما دنا الموت، انكمشت هذه الإمكانات.
فالمحدودية تعني أن كل شيء قد كُتب وانتهى. لم يعد الزمن ملكا للمحتضر، بل استحال كيانه إلى زمن محض؛ إذ استنفد الماضي كل مساحات الحاضر، وصار "ما قد وقع" هو الحقيقة الوحيدة التي تلغي كل "ما كان ممكناً".
صحيح أن الموت قد يوافي المرء حين تبلغ الحياة مرافئ الامتلاء، بوصفه ثمرة ناضجة لما حققه من كينونة. وكما يرى ياسبرز:
"كلما كان الإنجاز حاسماً، واستُوفيت الإمكانات في العمل الخلّاق لا في هدر الفرص، اقترب الإنسان من موقفٍ يتصالح فيه مع الموت بوصفه جزءاً أصيلاً من وجوده".
غير أن رعب الموت يشتد بقدر ما بقي في العمر من حيوات لم نتمكن من عيشها، أي بقدر ما استسلمنا فيه للتردد ولم نبلغ كينونة ذواتنا. وتؤكد الدراسات أن الخوف من الموت يزداد كلما بقيت إمكانات أساسية معلقة أو ضائعة. عندئذٍ لا يهدد الموت بإنهاء الحياة فحسب، بل يهدد بابتلاع ما تبقى من زمن في دوامة العبث.
في التعامل مع الحياة غير المعاشة
إذا كانت الحياة غير المعاشة تهدد النهاية الطبيعية لحياة المرء، فكيف نتعامل معها في تلك المرحلة؟ سواء كنا مرافقين أو معالجين أو أشخاصا سنقف في ذلك الموقف يوما ما
بداية، يجب الانتباه لاحتمال وجود اكتئاب يحتاج علاجا. فكما أن الحصيلة السلبية لحيواتنا تقود لاحتقار الذات والاكتئاب، فإن الاكتئاب بدوره يغذي مشاعر قاسية من الاتهام الذاتي. وكثيرا ما يخبو هذا الصراع المرير أو يخف حين يُعالج الاكتئاب الكامن. كما تبرز أهمية المعالجة النفسية في مرافقة المرء وهو يستعيد شريط حياته؛ إذ يمكن إعادة دمج ما بدا إخفاقا ضمن سياق أوسع يمنحه معنى مختلفا، لا بإنكار الألم بل بإعادة تقييمه داخل القصة الكلية. وهنا يبقى الحزن على ما فات مشروعا، لكنه يُصالح بين الفشل وما تحقق بالفعل.
وفي سياق المرافقة النفسية، يكمن التحدي في تحويل "الندم" الذي يستهلك الذات، إلى "حزن مشروع" على ما فات. فالندم غالبا ما ينبع من نزعة كمالية ترفض الاعتراف بضعف الإنسان ومحدوديته، بينما الحزن هو اعتراف شجاع بالفقد؛ إذ إن القبول بما ضاع لا يعني نسيانه، بل يعني منحه مكانا في القصة الكلية دون أن يظل خنجرا يمزق حاضرنا. إن التصالح مع "الذات السردية" يقتضي منا أن نكتب إخفاقاتنا بوصفها جزءا من كينونتنا، لا بوصفها أخطاء كان يجب تجنبها بذكاء خارق لم نكن نملكه آنذاك.
والهدف هو تنمية موقف يمزج بين الصدق والقبول والتعاطف مع الذات. فالصدق يتيح فرصة —حتى في الرمق الأخير— لإنهاء ما لم يُنجز أو تصفية الخلافات. أما القبول، فضروري لأن العائق أمام المصالحة هو نزعات الكمال التي تتقمص دور القاضي الداخلي القاسي. والتحدي هو تحويل الغضب إلى تسامح مع النفس؛ فنحن كائنات ناقصة في عالم ناقص، والاعتراف بهذا النقص يمنحنا عزاء مشتركا.
وتبرز ملاحظة حول مفهوم «تحقيق الذات»؛ إذ يوحي بوجود "جوهر ثابت" يجب بلوغه، وإلا سقطنا في الفشل المصيري. وهذا التصور يحمل نبرة "قدرية" تفترض رسالة جوهرية لكل إنسان. لكن يمكننا رؤية الذات كـ «ذات سردية» تتشكل عبر القصة التي نرويها عن أنفسنا؛ قصة لا تُكتب وفق مخطط مسبق، بل تتطور بالارتجال والتفاعل مع الظروف. وبهذا المعنى، فإن تحقيق الذات هو انكشاف تدريجي لإمكانات تتشكل باستمرار. والأهم أن هذه القصة تظل قابلة لإعادة التأويل في كل لحظة، مما يجعل المصالحة ممكنة حتى في الساعات الأخيرة.
ومع ذلك، فإن كل هذه المقاربات قد لا تُجيب عن السؤال القلق: ماذا لو تعذر بلوغ "الصيغة الحسنة"؟ ما مصير أجزاء الذات التي لم تتحقق؟ هنا، لا تبقى أمامنا إلا إجابات شخصية يمكن تقسيمها في ثلاثة أنماط:
**النمط الأول: الاعتراف الصريح بلا مواربة**
يتمثل في الاعتراف الجريء: «نعم، هذا كل ما حدث بالفعل». أسلم صفحة سيرتي كما هي؛ لم يتسع لي الوقت لأكتب أكثر. وبالمقارنة مع ما ظل طي الإمكان، تبقى هذه الحياة مجرد مسودة، لكنها حياتي وأنا أتحمل مسؤوليتها. قد تتسم هذه النظرة بالتواضع أو الشجاعة أو التحدي. إن مواجهة الموت دون التعزية بأوهام وأعذار مختلقة، وفي أفق الوعي بأن الحياة كانت اختيارا مسؤولا، ليس أمرا يسيرا، لكنه يمنح الإنسان شكلا خاصا من الكرامة والاحتجاج الصامت غير المنكسر تجاه قسوة الوجود.
**النمط الثاني: توسيع الذات**
تتجلى هذه الإمكانية في الإجابات الدينية لمسألة النقص؛ فالحياة الفردية لا تكتمل بذاتها على اعتبار نقصها الجوهري، بل تكتسب كليتها من خلال "إطار أشمل". قد يكون هذا الإطار عالم الأسلاف، أو الامتداد في السلالة والأحفاد. كما قال فلاحو القرن السادس عشر: «قد نهزم اليوم، لكن أحفادنا سيُكملون المسير». إن تحمل المسؤولية تجاه الأجيال يخفف مركزية الذات؛ إذ إن شيئا ما منا يمتد ويبقى فيهم. وفي الأفق الديني، يظهر الأمل في النعمة الإلهية التي تملأ الفراغ الذي خلفه النقص، كما عبر الشاعر فون بيرغنغروين: «الله يحب الأيدي الفارغة، والنقص يتحول إلى غنيمة.. وفي النهاية ينكشف الأمر على ان الخاتمة لم تكن سوى بداية مضيئة».
ويستحضر ديتريش بونهوفر وعيا حادا بطابع الحياة المجزّأ:
«إن حياتنا تتميز بطابع شذري، والمهم أن نرى في هذه الشذرة كيف كان الكلُّ مُصمَّماً».
فإذا كانت حياتنا تشبه شذرة من فن الفوغا، حيث تتناغم الثيمات ويُحفظ اللحن العميق، فلا وجه للشكوى من نقصها. فالحياة بوصفها شذرة هي إشارة إلى ما هو أشمل، إلى ذلك الأفق الذي وحده يمنح الاكتمال. ومن هنا، يختبر بطل تولستوي الموت كاستيقاظ من "حجاب المايا": «نعم، كان كل شيء عدما.. لكن من العدم يمكن أن يولد شيء ما».
**النمط الثالث: ذوبان الذات في شمول الحاضر**
وهي الإجابة الصوفية: إذا كان الموت يقطع الزمن، فهو يدعونا للانعطاف من التطلع للمستقبل إلى التمركز في الحاضر. أفلا يمكن أن تكون اللحظة الحاضرة هي النمط الخاص بالأبدية؟ يروي مرضى كثيرون أن مرضهم علمهم عيش الحاضر بعمق. قد يكون العمر المتبقي قصيرا للغاية، لكنه يبقى ثمينا؛ لذا ليس من الحكمة في شيء إهداره، بل يجب أن يعاش بصدق ودونما تأجيل.
وفي الوعي المرتبط بالموت، تشرق ألوان التفاصيل الصغيرة، وتبرز ممارسات اليقظة التي تعزز حضورنا في اللحظة وانتباهنا الحنون، وتخفف من وطأة التمركز حول الذات. قد يبدو الموت ساحبا نحو العدم، لكنه يفتح الباب لتكتسب اللحظات الأخيرة —نزهة أو مصالحة أو وجبة مع صديق— طعم الحياة الخالص الذي لا يمحى. وكما يكتب روبرت شبايمان، فإن في هذه اللحظات إحساسا بأن «الأمور كما ينبغي أن تكون»، وهي قيمة لا يمحوها استمرار الزمن بعدنا؛ «إنه لأمر حسن، وسيبقى حسنا، أن هذه اللحظة العابرة قد كانت». وهكذا تتحول هشاشة ما يفنى في الزمن إلى نوع من القيمة الخالدة.
ولعل أجمل تعبير عن هذا هو حكاية بوذا: رجل يطارده نمر، يتعلق بجذر على حافة هاوية، وبينما الفئران تقرض الجذر والنمر ينتظره، يلمح ثمرة فراولة ناضجة بجانبه، فيقطفها بيد واحدة ويتذوقها.. كم كان طعمها لذيذا٠
~~~~
البروفيسور الدكتور توماس فوكس، أستاذ الأسس الفلسفية للطب النفسي والعلاج النفسي بجامعة هايدلبرغ.





أصبت جوهر الحقيقة مشكور 🙏🏻
اليوم اكتشفت هذه المساحه الواسعه من الكلمات التي كانت تُنتظر ان تُقرأ..ويالها من صدفه قويه ان تكون محاكاة لما اعيشه منذ فتره.
وجدت بعضاً مما تؤرقني به افكاري بشكل شبه دائم ومما يجول بين مشاعري بين الحين والاخر دون ان افهمه ..
عمل جميل وعميق واستطاع شدي من كلمه لأخرى .