لماذا نمارس الفلسفة مع الأطفال؟
لماذا نمارس الفلسفة مع الأطفال؟
بقلم: إدويج شيروتر
ت: ف٠ف٠ع
بدأت ممارسة الفلسفة مع الأطفال تتطور في جميع أنحاء العالم منذ أكثر من 50 عاما. وتتعدد أبعاد هذه الممارسة لتتجاوز مجرد الرغبة في دمقرطة تعليم الفلسفة قبل المرحلة الثانوية؛ إذ يكمن الهدف في تنمية الفكر النقدي منذ سن مبكرة، وترسيخ التفكير المركب، وقبول العجز المعرفي في كل ما يتعلق بالأسئلة الكونية والسرمدية الكبرى.
إن هذه الممارسة تعلي من قيمة الحوار والقبول الواعي للاختلاف، وتتطلب جهدا فكريا صارما. وبهذا المعنى، فهي تساهم بشكل كامل في الرسالة السياسية للمدرسة، وتساعد في تكوين مواطنين ومواطنات مستنيرين.
مثالية ديمقراطية
كان ماثيو ليبمان، رائد الأبحاث حول الفلسفة مع الأطفال، تلميذا لـ جون ديوي، أحد مؤسسي الفلسفة "البرغماتية"، الذي دافع عن فلسفة تحررية تخدم الديمقراطية وتتجذر في الواقع، وتعتمد نموذج "الاستقصاء" والمنهج العلمي.
رفض ديوي الرؤية التقنية للديمقراطية (باعتبارها مجرد آلية شكلية)، واعتبرها بدلا من ذلك "نمط حياة"؛ أي مجموعة ديناميكية من المهارات والعادات في السلوك، والتخاطب، والمداولة الجماعية. من هنا استلهم ليبمان فكرة إنشاء ما أسماه "مجتمعات البحث الفلسفي" داخل الفصول الدراسية مع الأطفال الصغار، لتكون تجسيدا عمليا لهذا المفهوم للديمقراطية.
في هذه الورش، وكما هو الحال داخل المختبر، يصطف الأطفال عادة في دائرة وجها لوجه، لصياغة الأسئلة وتقييم الأفكار المطروحة. وانطلاقا من إشكالية معينة (مثل: "ما هو القانون العادل؟")، يُدعى الأطفال لصياغة الفرضيات، واستنتاج المسلمات والنتائج، وتبرير آرائهم، وتقييم الصلاحية العقلانية والأخلاقية للمقترحات المختلفة بشكل جماعي. وهم يطورون هناك بروية وتأن، وبفضل توجيه دقيق من المدرس أو المدرسة، تفسير يتسم بالحس النقدي، واليقظة، وروح الابداع.
بناء الذات والمجتمع
نرى إذن كيف تهدف الفلسفة مع الأطفال في جوهرها إلى تطوير مهارات فكرية وصفات إنسانية تقع في قلب المشروع الإنساني والديمقراطي: ألا وهو تكوين ذوات حرة ومستقلة، قادرة على ممارسة النقد، واستخدام التفكير العقلاني والأخلاقي المركب، والاعتراف بـ "قابلية الخطأ" أمام هذه الأسئلة الكبرى التي لا يمكن حصرها في إجابات أحادية ونهائية، بل وأيضا تعزيز أخلاقيات معينة في العلاقة مع الذات ومع الآخرين. وبهذا المعنى، تسمح الفلسفة بمحاربة مأزقين فكريين في عصر ما بعد الحداثة: نسبوية الآراء ودوغمائية المعتقدات.
في فرنسا، في السبعينيات، دعا جاك دريدا ومجموعة (GREPH) بالفعل إلى "التفلسف خارج الجدران"، وابتكار ممارسة فلسفية قبل السنة النهائية من الثانوية بل وأيضا خارج المدرسة. لكن الاهتمام العام بهذه الممارسات في العالم الناطق بالفرنسية لم يبرز إلا منذ ثلاثين عاما تقريبا: مثل تعدد التجارب في الفصول، وتأسيس شبكات المعلمين والباحثين، وعقد المؤتمرات، ونشر المقالات في الصحف والمجلات، ونجاح مجموعات الكتب للأطفال، وتدريب المعلمين، وصولا إلى إنشاء أول كرسي لليونسكو حول هذه الممارسات في جامعة "نانت" عام 2016.
لقد سمح إدخال "النقاشات" أو "المناقشات المنظمة" في برامج المدرسة الابتدائية الفرنسية منذ عام 2002، مع برنامج طموح للأدب، بمنح شرعية مؤسسية لهذه الممارسات داخل الفصول.
ثلاث رهانات رئيسية
نحن نميز بين ثلاث رهانات رئيسية للفلسفة مع الأطفال، تقابلها ثلاث مدارس كبرى تنطوي تحتها هذه الممارسات:
* رهان أخلاقي: حيث تتيح هذه الممارسة الاعتراف وراء التلميذ (حتى أكثرهم تعثرا أو في وضعية إعاقة) بذات تستحق الإصغاء والاحترام والكلام والتفكير، وكـ "محاور كفؤ"، وفقا للتعبير الصائب الذي صاغه جاك ليفين.
* رهان ديمقراطي وسياسي: لأن هذه الممارسات، القائمة أساسا على المناقشة الديمقراطية والجدل التعاوني، هي فرصة للتدرب على الاستماع للاختلافات، وإصدار الأحكام النقدية، والمداولة.
* رهان بيداغوجي: إذ يتعلق الأمر بدمقرطة الوصول إلى مادة دراسية تُعرف بكونها "نخبوية ومغلقة"، ولا تزال فعليا حكرا على فئة قليلة.
إن هذه الرهانات الثلاثة متكاملة بالضرورة؛ فممارسة الفلسفة مع الأطفال تتطلب وضع أسس علاقة أخلاقية معهم، والاقتناع بالضرورة السياسية لتكوين مواطنين ومواطنات مستنيرين، والرغبة في دمقرطة هذه المادة.
ليس لأن ممارسة الفلسفة ميسورة في نهاية المطاف يمكننا مزاولتها مع الأطفال، بل على العكس تماما؛ فبسبب صعوبتها تحديدا وجب البدء بها مبكرا. فإذا كنا ننشد دمقرطة حقيقية لتعليمها، فلا بد من تقديم الأدوات اللغوية والثقافية لجميع التلاميذ، وفي مرحلة مبكرة قدر المستطاع، لتمكينهم من الاستجابة لمقتضياتها الخاصة. وبعيدا عن تجاهل الأسباب السياسية والاجتماعية للتعثر الدراسي، ودون غوغائية أو نخبوية، فإن الاعتياد المبكر على صرامة التفكير هو السبيل الوحيد لكسب هذا الرهان.
أدب الطفل: فضاء للتفكير
يعد الأدب وسيطا مثاليا لتعلم التفلسف؛ فالطفل، في بدايات تفكيره التأملي، لا يستطيع الخروج من حيز ذاتيته، وتظل خبرته بالعالم محدودة بالضرورة. لذا، يجب منحه الوسائل التي تمكنه من صقل استدلاله وتحريره من وجهة نظره الوحيدة.
يسمح الأدب بلا شك بتجاوز التمركز حول الذات؛ فالتخييل الأدبي، وبعيدا عن خيانة الواقع أو تشويهه، يكشف عنه في أعمق تجلياته. إنه يبني جسرا بين التجربة الفردية (التي قد تعيق التبصر بسبب حمولتها العاطفية المفرطة) والمفهوم (الذي قد يضر بالارتباط الشخصي بسبب بروده الفكري). تضع القصص المشكلة الفلسفية في "المسافة الصحيحة": بين القرب الشديد للتجربة الشخصية والتجريد البعيد للمفهوم. فالتفكير انطلاقا من شخصيات خيالية يسمح بـ "المسافة العاطفية" الضرورية للممارسة الفلسفية.
في النصف الثاني من القرن العشرين، أعاد بول ريكور التفكير في مفهوم الأدب وصلاته الوثيقة بالفلسفة. فالتخييل الأدبي، لكونه يمثل إمكانية مضاعفة لتجارب نموذجية وذات دلالة حول حقائق العالم، يتيح لنا التفكير في الحالة الإنسانية بكل تعقيداتها. ومن خلال التحرر من قيود الواقع التجريبي، يسمح لي الخيال بأن أعيش "بالوكالة" ما لن يسمح لي الواقع وحده بعيشه أبدا: ككاتب أو قارئ، يمكنني ارتكاب جريمة قتل، أن أختبر من الداخل عذابات الندم. أو أن أصبح خفيا، مثل الراعي "جيجيس"، وأختبر الإمكانية اللانهائية لخرق القانون وقواعد الخير والشر.
هكذا يكشف لنا الأدب عن شكل من أشكال حقيقة الواقع. فبينما كنا ننشد الهروب من العالم عبر القراءة، يعيدنا هذا الخيال ذاته إلى واقعنا الخاص لكنه يعرضه لنا في ثوب جديد.
يقول ريكور في كتابه "الذات كآخر": «إن تجارب الفكر التي نجريها في مختبر الخيال الكبير هي أيضا استكشافات تُجرى في ملكوت الخير والشر».
يتميز أدب الطفل المعاصر اليوم بغنى أدبي وفلسفي كبير، وهو يراهن بدوره على ذكاء القراء الصغار جدا. ويبدو أن أخذ التساؤلات الميتافيزيقية للأطفال بعين الاعتبار أصبح توجها رئيسا في هذا الأدب؛ إذ يقدم العديد من المؤلفين، أمثال تومي أونجرير وكلود بونتي، قصصا بارعة وشاعرية وذكية تدعو للتأمل.
إن إنشاء "مجتمعات البحث الفلسفي" في المدارس وفي الفضاء العام يجسد ما أطلقت عليه حنا أرندت "واحات التفكير"؛ أي خلق أوقات ومساحات معزولة عن صخب العالم، للتفكير سويا وفي بيئات ملائمة في قضايا الوجود والحياة في المجتمع. وبهذا المعنى، تدعم هذه "الواحات" عمليات التحرر، والاعتراف، والتصادي مع الذات ومع الآخرين ومع العالم، وفق مفهوم الفيلسوف الألماني هارتـموت روزا. إن رهان الفلسفة مع الأطفال ليس تربويا وديدكتيكيا فحسب، بل هو رهان سياسي بامتياز، بالمعنى الأسمى للكلمة.
~~~~~~~~~~~~~~
إدويج شيروتر: أستاذة جامعية في الفلسفة وعلوم التربية بجامعة نانت، وتشغل منذ عام 2016 كرسي اليونسكو لـ "ممارسة الفلسفة مع الأطفال"



