مختارات من يوميات هنري فريدريك أمييل
هنري فريدريك أمييل
مختارات من يومياته
ت: ف٠ ف٠ ع
* فخ التأجيل
هناك آفة كبرى تفسد ثمار قراءاتنا ومشاريعنا: إنه التأجيل. نحن دائما نرجئ القرارات الحاسمة، ونعيش في المؤقت، ونراهن على تحسن الظروف؛ باختصار: نحن نضحي بالحاضر على مذبح المستقبل، على الرغم من أن الحاضر هو الحقيقة الوحيدة، وأفضل طريقة لبناء الغد هي استثمار اليوم. الساعة التي تمضي لا تعود؛ أجل عملك ولن تنجز شيئا، فالممكن اليوم هو المستحيل غدا. اذن، فتعمل على اصطياد الطريدة وهي تمر أمامك الآن.
* سر السحر
للحزن وثياب الحداد عند النساء عمق يفوق الجمال نفسه. العيون المبللة بالدمع، والملامح المستغرقة في التأمل تملك جاذبية تنفذ إلى الأعماق لأنها تلمس الروح. الوداعة الراضية تأسر القلوب أكثر من الفتنة الصارخة. ومن لا يفضل نظرة المادونا الحزينة على بريق فينوس المتوهج؟ ذلك لأن في الحزن روحا أكثر مما في الفرح، وفي الدمعة صدقا أكثر مما في الابتسامة. إن ما يسحرنا ويجذبنا ويأخذ بألبابنا هو الروح.
* أمسية خريفية
يا لروعة هذا المساء! ويا له من مشهد خريفي يجمع بين البهاء والرقة: بحيرة بلورية، أفق صاف، هواء عليل، جبال متوجة بالثلوج، وأوراق شجر اصفرت بعذوبة. لم أستطع انتزاع نفسي من تلك الشرفة. هناك بجعتان تسبحان في الماء الشفاف، تغوصان تباعا وتخلفان وراءهما دوائر متداخلة. وفي الأفق، كانت قوارب تشق مرآة الماء بخطوط فضية. كل شيء كان يهمس بلغة الوداع الجميل؛ ذلك الجمال الذي يرحل، ولكي يبقى في الذاكرة، يودعنا بنظرة محملة بكل سحر الحب.
* دفء البيت
أجمل ما في الحياة الأسرية هو "سذاجاتها الصغيرة"؛ تلك التفاصيل العابرة، واللمحات الخاطفة، والاهتمامات البسيطة التي قد لا نلحظها في حينها، لكنها مجتمعة تصنع هالة من الطمأنينة يزداد بريقها في الذاكرة كلما تقدم بنا العمر. إن التناقض هو ما يجعلنا نشعر بالأشياء؛ سافر لتعرف قيمة الراحة، وجرب ضجيج الفنادق لتعرف قدسية البيت. أيها التائه في الأرض، أخبرنا: ما الذي يعنيه لك كوخ صغير يضم أحبابك على ضفاف بحيرة أو تحت شجرة في واد هادئ أمين؟
* النظرة الثاقبة (البصيرة)
إن النظرة الثاقبة أو البصيرة موهبة نادرة. إنها تلك القدرة على إدراك جوهر الأشياء وامتدادها، الغاية والوسيلة، في لحظة واحدة. إنها رؤية الشجرة في البذرة، والفكرة في الواقعة. هذه النظرة الحادة هي اقتصاد في الجهد، وتكثيف للخبرة، وفحص يتجاوز البطء والشك. هي ضرورة للقائد والفنان والمخترع على حد سواء؛ فالتفوق في أي مجال هو أن ترى على نحو أدق، وأبعد، وأسرع. البصيرة هي نصف العبقرية، والنصف الآخر هو الصبر.
* شجن الظهيرة
تمشيت هذا الصباح تحت شمس ربيعية دافئة. كانت الطبيعة في أوج تفتحها وغنائها، وكانت البحيرة تبدو كياقوتة زرقاء والتلال تكتسي بوشاح زمردي. لكن شيئا فشيئا، بدأ الفرح يخمد في داخلي، وتسلل حزن غامض إلى صدري كسحابة سوداء في سماء صافية. شعرت بانقضاء الوقت، وبخواء الحياة، وكل تلك الأفكار الوجودية المعتادة. تساءلت: ما الذي نحتاجه لنطرد هذا الشجن الدائم؟ الأمر بسيط ومستحيل في آن: أن نكون كما ينبغي أن نكون، وأن ننال ما نتمناه حقيقة في أعماقنا. الكمال والقدرة هما مفتاح السعادة، وهذان لا يتوفران إلا لله. أما الإنسان؟ فلا سلام له إلا بقدر ما يسكن الله في قلبه، أي بقدر ما يسلم نفسه للخالق. تنهدت، وتركت الطبيعة تغني، وعدت إلى كتبي بحثا عن تميمة تطرد هذا السأم الغامض.
* الابتكار: غاية الوجود
أسمى قوى العقل لدينا، وأكثرها إهمالا في التربية؛ بل وأكثرها تعرضا للقمع والتهديد، هي قدرة العقل على الابتكار. نحن نسحقها غالبا عند الشباب لصالح الحشو والتلقين؛ فنصنع تلاميذ، ولا نصنع رجالا. لنردد على مسامعنا أمرين: الأول أن فعل الخلق هو ذروة الحياة العقلية، والثاني أن الحياة لا تستحق أن تعاش إلا لكي نضيف إليها شيئا جديدا. إذن، لنكن مبتكرين كي نستحق وجودنا على هذه الأرض. فالأصالة هي التي تجمل الحياة وتبررها.
* فجوة في الروح
لابد أن أوتار القلب مضطربة لدى ذاك الذي لا تحرك الموسيقى فيه ساكنا. وبعيدا عن العيوب العضوية، من الصعب أن نتخيل إنسانا مهما بلغت مواهبه لا يعاني من جفاف سري أو نقص في الحنان واللطف، إذا كان قلبه لا يتجاوب مع النغم.
* الإيقاع الطبيعي:
أراك دائما قلقا، مضطربا، ومنشغلا؛ نادرا ما تظهر على جبهتك المتعبة علامة السكينة التي تدل على حياة ممتلئة ومنتظمة. أنت مخطئ. استثمر شبابك ولا تستهلكه. تعلم كيف تجد إيقاعك الخاص، وألا تنفق من قواك إلا فائضها. بالتدبر والنظام والسيطرة على الذات، يمكن للمرء أن يكون فاعلا ومعطاء دون أن يترك روحه فريسة للقلق والبلبلة. الاضطراب ضعف، والهدوء فضيلة.
* عمالقة فايمار: غوته وشيلر
عندما أنهيت قراءة مراسلات شيلر وغوته، صدمت بأشياء عدة: غياب الروح الدينية لدى هذين الشاعرين العظيمين، وجفاف عاطفة غوته. إن غياب الدين يعطي لجدية هؤلاء العظماء مسحة من السطحية. فالأنانية تبدو مثل فجوة لا تفتأ تتسع في عقل غوته الفريد؛ لقد ظل غوته غريبا عن تاريخ بلاده وآلام شعبه بين 1800 و1815، ولم ينتزع منه شقاء وطنه تنهيدة أسف واحدة. لقد فهم غوته الطبيعة والفرد، لكنه فشل في فهم التاريخ وتطور الشعوب. ومع ذلك، يظل شيلر هو الأكثر قدرة على فهمنا نحن اليوم.
* مضاعفة الحياة بالخيال
للأحلام المتسلسلة والروايات العميقة ميزة هائلة: وهي توسيع خبراتنا عبر استباقها. نحن نضاعف حياتنا الوحيدة بكل الحيوات المتخيلة والممكنة التي نمر بها من خلالها. في الواقع، حياتنا الرسمية والوحيدة ليست سوى نسخة واحدة من حياتنا الحقيقية؛ ولو عشنا بصدق في مئة أو ألف فرد، لكان لنا ألف حياة. الإنسان الذي لا يمكنه زيادة طول قامته شبرا واحدا، يمكنه فعل ما هو أعظم بمئة مرة: فبينما هو محصور في عالم الخارج الزمان والمكان، يمكنه مضاعفة نفسه بلا حدود في عالم الروح الداخلي.
* الشعر والحقيقة
احتفظ بالانطباع الأول إذا أردت الاحتفاظ بسحر الأشياء؛ أما إذا أردت التحرر من هذا السحر، فانتقل إلى الانطباع الثاني. بعبارة أخرى: انظر مرتين لترى بدقة، وانظر مرة واحدة لترى بعين الجمال. فالنظرة الأولى هي من نصيب الخيال، والثانية من نصيب الحكم والعقل؛ الأولى شعر، والثانية حقيقة.
* الوهم في الحب
كما تحيط الزهور نفسها بهالة من العطور، يحيط الحب نفسه بقوته الشاعرية الخاصة بسحابة من الأوهام تنبعث تلقائيا من أعماقه. أحيانا، تحل هذه الأوهام محل الواقع الغائب في عين المحب المفتون، وعندها يتلاشى الحب سريعا كشعلة بلا وقود. وأحيانا أخرى، تأتي الأوهام كمكمل ضروري يتمم الواقع الناقص بطبعه؛ وعندها فقط يصبح الحب قادرا على البقاء، ويشرق بشباب متجدد لا يعرف الهرم.
* الألم والمربي الأخلاقي
إن الألم هو المربي العظيم للحس الأخلاقي. فبينما تحجب السعادة عنا رؤية الحقيقة ببريقها الزائف، يأتي الألم ليمزق الحجاب ويجعلنا نرى الأشياء على حقيقتها. ليس الألم عقابا دائما، بل هو نداء من الروح لكي تستيقظ. إن الإنسان الذي لم يتألم، يظل طفلا فيما يتعلق بمعرفة الحياة؛ أما الذي ذاق المرارة، فقد نال بركة الوعي. الألم يكسر كبرياء العقل ليفتح أبواب القلب.
* الشرنقة
الأسلوب العابث والخفيف والساخر، حتى وإن كان بجرعات معتدلة لا تصل إلى حد التهكم، يصبح مؤلما إذا طال أمده، وخطرا إذا صار عادة. إنه حاجز خفي، يقلص غشاء القلب، ويمنع كل انفتاح، ويوقف كل إشراق وتلقائية. فبدون الطيبة لا يوجد انفتاح، وبدون الانفتاح لا توجد راحة، وبدون الراحة لا توجد ألفة. إن فراشة المشاعر لا تخرج من شرنقتها إلا تحت شعاع المودة وفي جو يحييه التعاطف. فلنكن عفويين بدلا من أن نكون ساخرين، وذلك لمصلحة سعادتنا وسعادة الآخرين؛ ولا نقتلن ببرودة الاستهزاء اللاذعة تلك الشرنقة التي تنشد الانفتاح.
* الصراحة
حين تجعلنا الحاجة لقول الحقيقة نهمل اللباقة، وحين ننشغل بالأشياء فننسى الأشخاص، فإن الرغبة في إحقاق الرأي الذي يبدو عادلا قد تظهر وكأنها رغبة في الانتصار الشخصي. وهذا خطأ. لا ينبغي للصراحة أن تصل إلى حد الفجاجة؛ فالحقيقة لا يجب أن تنتصر فحسب، بل يجب أن تكسب القلوب. هذا العنصر من الإقناع، والتلميح، واللطف، يفتقر إليه بعض ذوي الطبائع النبيلة الذين ينفرون من التملق والدبلوماسية والتبعية، فيلجأون بدلا من ذلك إلى القسوة. خوفا من المداهنة، يتصرفون بخشونة؛ وخوفا من التودد أو الظهور بمظهر المتملق، يصدمون الآراء وينفرون النفوس. إن تلطيف الصدق بالأدب، والحزم بالتحفظ، والجمع بين الاستقلال والاحترام، وبين الحيوية واللباقة، هو فن يجب عليهم تعلمه.

