لاضير في أن يدرك المرء جنونه٠ بقلم: ألان (إميل شارتييه)
لاضير في أن يدرك المرء جنونه
بقلم: ألان (إميل شارتييه)
ت: ف٠ ف٠ ع
يدافع ألان عن فكرة أن عقولنا تضل وتضطرب حين يقفز طموحنا فوق الواقع لصالح الاستنتاجات المجردة؛ فالعقل الذي يفتقر إلى شجاعة معاينة الواقع كما هو ليصبح مرآة لما يراه، ينتهي به الأمر دوما إلى أن يكون سجينا لما يخترعه؛ أي إلى نوع من "الجنون المنطقي" الذي يفضل براعة البرهان على صدق المواجهة مع الحقيقة المادية.
«مواءمة الداخل (الفكر) مع الخارج (الواقع)»؛ تلك هي حكمة " أوغوست كونت" التي يقفز من فوقها الطموح البشري، منشغلا دوما بنقيضها: أي مواءمة الخارج مع الداخل، وهو ما نسميه إصلاحا، أو ابتكارا، أو خلقا.
نعرف جميعا أن هناك أساتذة يقضون ساعات طوالا في محاولة إثبات وجود العالم؛ وهو أمر يدعو للسخرية. فليس هناك ما هو أرسخ وضعا من العالم، ولا ما هو أشد إحاطة بنا منه، ولا ما هو أقل حاجة إلى برهان. ثم إن البرهان هنا ليس في محله أصلا؛ فنحن لا نبرهن على الوجود، بل نُعاينه ونثبته فحسب.
وبعد هذا التوضيح، يبرز لنا مشكل حقيقي تحت ستار مشكل زائف: إن البشر ينسون العالم بسهولة؛ فهم لا يحبون النظر إليه، بل يفضلون إبداعاتهم الخاصة من خطب، وكتابات، وأنظمة، وقوانين. ولا بد من الاعتراف بأن عادة الحكم بناء على الأوراق والشهادات (المستندات الإدارية) —وهي السمة الغالبة على العمل الإداري— تصرفنا عن رصد الموقف الحقيقي للواقع. ذلك الرصد الذي يتطلب شجاعة، ورفضا للمحاباة، وترفعا عن كيل الاتهامات؛ وهي صفات نادرا ما يتحلى بها المرء
إن «الجرد» —باعتباره حصادا للحقائق المادية— يضعنا وجها لوجه أمام حقائق قد لا تكون سارة دائما، ويجردنا من اللجوء إلى التبريرات والجدل، وهو الملاذ المفضل للعقول الضعيفة. إن عبارة «لو أنهم استمعوا إليّ» هي في نظري إدانة لصاحبها؛ فما ولى وانقضى لا يمكن أن يكون نقطة انطلاق فعلية لأي عمل، وهذا أمر بديهي.
الفعل دائما ما يكون صحيا وعقلانيا، أما الفكر فهو الذي يحتاج إلى قواعد، وهو الذي يحتاج إلى موضوعات ملموسة يستند إليها. فما لم يعد موجودا (أي الماضي) لا يصلح منطلقا ولا سندا للأفكار؛ ليس فقط لأن التفكير فيه لا يجدي نفعا، بل لأن التفكير فيه (كموضوع مادي) أصلا مستحيل؛ فلا يتبقى للفكر حينها إلا أن يشطح ويضل. وأنا أرى أن المرء لا يمكنه المحاكمة العقلية إلا بناء على واقع حاضر، يتقبله أولا كما هو.
لا يدهشني المجانين بمنطقهم العبثي؛ بل ليس من الصعب أن نجد في هذيانهم منطقا مقبولا يضاهي في قوته منطق أي مجادل محترف. إن ما يصنع "المجنون" حقا ليس فقدانه للعقل، بل فقدانه للاتصال بالأشياء كما هي في واقعها؛ هو أنه لم يعد يعرف كيف يراها، أو بالأحرى، لم يعد يريد رؤيتها. وعلى العكس من ذلك، تجده يخترع الوقائع بناء على استنتاجاته الذهنية. تراه يعتقد أنه مضطهد، ثم يبرهن لك على أنه ضحية لمؤامرة محبوكة بدقة؛ لكن كل هذه الوقائع هي محض افتراضات بناها على فكرة مسبقة تتعلق بالبشر وطباعهم. فقد يخبرك بساعة ومكان لقاء ما، ويجزم بحدوثه لمجرد وجود أسباب منطقية وواضحة –في نظره– تدعو لوقوعه.
هنا نلمس موضع العلة في كل أفكارنا: إنها تلك الخطيئة الدائمة المتمثلة في محاولة إثبات الوجود عبر "الاستنتاج العقلي"، بدلا من الذهاب لمعاينة الشيء الملموس ولمسه. وأي شخص تملكه الشغف أو الهوى، لو تأمل للحظة هذه الفكرة البسيطة، لوجد في نفسه شبها من ذلك المجنون. وأعترف أن لحظة المكاشفة هذه ليست باللحظة السارة. ومع ذلك، ليس من الضير أن يدرك المرء في نفسه مسا من الجنون، إذا ما استوعب الكيفية التي انزلق بها إلى ذلك المنحدر. إن الارتباك الشديد الذي يستولي على عقل الطفل، والاندفاع الذي يطبع سلوكه المعتاد، والضباب الكثيف الذي يحيط بحواسنا، كل هذا يفسر كفاية أن ما ادخرناه في عقولنا من أفكار هو على الأرجح محض هراء زائف. إن الجزء الأكبر من معتقدات الإنسان الخرقاء تعود إلى طفولته؛ فالمربيات هن من تولين صياغة عقولنا. وهكذا، ننطلق مدججين بتلك الأوهام لمواجهة "قوس قزح"، و"الكسوف"، و"المذنبات”٠
إن التاريخ يمنحنا دروسا، ولكن ليس بالطريقة التي يشتهيها؛ فهو يحشد لنا كل السخافات التي آمن بها الإنسان عبر العصور، وهذا في جوهره أمر يبعث على العزاء. فما دام قدر كل إنسان أن ينقذ جزءا من العقل، فإننا ندرك حينها أن هذا الواجب العظيم في متناول أيدينا. إننا لا نصبح قادرين على إطلاق الأحكام إلا بنوع من الترفع عن التاريخ؛ وأظن أن الذين يقولون بأن التاريخ يصقل عقولنا يقصدون هذا المعنى تحديدا: "إن المواجهة بيننا وبين الأوهام قد بدأت بالفعل".
لذا، وحرصا مني على قطع دابر هذا المنطق الجسور الذي يضاعف مآسينا، اتخذت لنفسي قاعدة عملية يمكن للجميع الاستفادة منها، وهي: «كل ما يفترض بناء على الاستنتاج العقلي ليس حقيقيا أبدا». قد تظن أنك خمنت ما دار في جلسة سرية، وتنسج حوله استدلالا بارعا، ولن أجد ما أرد به عليك سوى تلك العبارة الصغيرة التي كانت تعجب "مونتيني": «الأمر ليس كذلك».
بلى، أنا أدري يقينا أنه من المستحيل أن يتطابق استنتاج عقلي محض مع تركيبة الواقع الفعلية. إن التنوع في هذا العالم هائل، وتضافر الظروف في أصغر حدث يتجاوز كل حساباتنا؛ لذا سأراهن ضدك دائما ودون تردد أيها الإنسان المندفع بعواطفك؛ أنا على يقين بأن الأمر لم يكن، وليس كما "تبرهن" أنت على وجوب كونه. لنذهب ونعاين الواقع إن استطعنا، وفي كل مرة سأربح الرهان. لكن حذار! لو كنت أنا نفسي معنيا بالأمر، سواء بطموح أو بحب، فإني حينها سأغرق في "الاستنتاج" بدلا من "المعاينة"؛ سأحلل وأخسر الرهان في كل مرة. ومع ذلك، تظل قاعدتي صالحة هنا أيضا كتحذير وقائي. لقد جربت ذلك مرارا، حين كنت أتخيل مثلا الأسباب التي منعت وصول رسالة منتظرة؛ كنت استنتج ببراعة وأقنع نفسي تماما، لكن كان من الأفضل لي أن أقول لنفسي حينها: «هذا ليس حقيقيا؛ فالوجود ليس هو نبرهن عليه، بل ما نُعاينه».
=====
المصدر: تأملات حرة
تحياتي


