من ضيق "السعادة" إلى سعة المعنى
قراءة في كتاب: "السعادة: كل ما تحتاج معرفته عنها"
للفيلسوف الالماني فيلهلم شميد
"لقد أصبح الكثير من الناس مهووسين بالسعادة إلى حد يثير
الخوف من أنهم قد يجعلون أنفسهم أشقياء،
لمجرد اعتقادهم بأنهم لم يعودوا قادرين على العيش دونها".
بهذه العبارة المكثفة، يضعنا الفيلسوف الألماني فيلهلم شميد أمام المفارقة المركزية لثقافتنا المعاصرة؛ حيث لم تعد السعادة مجرد تطلع إنساني مشروع، بل تحولت إلى معيار أخلاقي إلزامي يطارد الفرد في كل تفاصيل حياته. إن هذا الهوس ليس وليد الصدفة، إنما نتاج الوعود الاستهلاكية التي تربط جودة الحياة بمنظومة قيمية قوامها المتعة المادية والرفاهية الدائمة. في هذا السياق، يأتي كتابه كدعوة للتفكير والتأمل في هذه الهستيريا الجماعية؛ فعلى الرغم من مسحة التعالي التي قد يوحي بها العنوان الفرعي، إلا أن الكتاب يظل في جوهره "استراحة للتفكير" وكتيّبا إرشاديا يرمي إلى استدراجنا إلى مراجعة ذواتنا وأنماط وجودنا وليس الى إنتاج مزيد من الأوهام والدعاوى العريضة .
يربط شميد هذا النزوع إلى البحث المحموم عن السعادة لدى الإنسان المعاصر بظاهرة أعمق تتعلق بـ "تدهور الحواس" في العصر التقني؛ فكلما زاد انغماس الإنسان في العالم الرقمي والآلي، فقدَ اتصاله الحسي والمباشر بالواقع. هذا الانفصال أدى إلى نوع من الفراغ الوجودي أو "تبلد المشاعر"، جعل الإنسان يطارد السعادة كتعويض عن فقدان المعنى الأصيل المنبثق من التجربة الحسية للعالم. فالسعادة هنا لم تعد تنبع من التناغم مع الكينونة، بل أصبحت محاولة لملء فجوة الاغتراب الذي فرضته التكنولوجيا، حيث يحل "الاستهلاك الشعوري" محل الارتباط الوجداني العميق بالأشياء وبالطبيعة.
ورفعا لما يحيط بهذا المفهوم من التباس في الذهنيات المعاصرة، يفكك شميد السعادة إلى أربعة أنماط متمايزة، تتدرج من العفوي العابر إلى الوجودي المستدام:
* سعادة الحظ (Zufallsglück): وهي تلك الومضات التي تمنحها الحياة مصادفة دون تدبير.
* سعادة الرفاهية (Wohlfühlglück): التي تقتصر على اللذة والراحة الجسدية، وهي الأكثر هشاشة لكونها ظاهرة نفسية مرتبطة بالمزاج، مما جعل الإصرار على ملاحقتها طريقاً للاستنزاف الداخلي.
* سعادة الامتلاء (Glück der Fülle): وتبرز بوصفها النوع المستدام حقاً؛ لكونها لا تقوم على إقصاء الألم أو تخديره، بل على استيعاب تناقضات الوجود وتقبل الحياة بجوانبها المضيئة والمظلمة معاً.
* سعادة الشقاء (Glück des Unglücks): هذا الاستيعاب الشمولي هو ما يمهد لهذا النمط الرابع والذي قد يثير الدهشة للوهلة الأولى ؛ حيث لا يعود الألم هنا مجرد عبء، بل يصبح أداة للفهم ومحركاً للتطور، فمن رحم الشعور بالنقص يولد السعي الدؤوب لتجاوز الذات وإعادة ترتيب الأولويات.
ومع ذلك، يخلص شميد إلى أن السعادة، برغم تعدد أنماطها، ليست هي المطلب الأهم في الحياة؛ فخلف هذا السعي المحموم يكمن البحث الأصيل عن "المعنى". وحيثما وُجد المعنى —الذي يبدأ من استعادة الاتصال الحسي بالعالم وصولاً إلى بناء سياقات وروابط عميقة— تتراجع حدة القلق الوجودي. وهنا يقترح شميد نسج علاقات تتجاوز حدود الأنا الضيقة، سواء تعلق الأمر بعلاقتنا مع الطبيعة أو مع المتعالي؛ مما يمنح الوجود الفردي سكينة تتجاوز حيزه الضيق. وفي هذا الانزياح عن مركزية الذات، تظهر السعادة في صورتها الأكثر صدقاً: إنها ليست الهدف الأولي الذي نطارده لذاته، بل هي مجرد فيض تلقائي قد يغمر أرواحنا حين يتفتح المعنى في دواخلنا، وليست الركيزة الوحيدة التي تقوم عليها الحياة الجيدة.
وقبل ان يختم كتابه، يشدد شميد على أن السعادة والشقاء صنوان لا ينفصلان في نسيج الوجود، وأن السعي الدؤوب لتجنب الألم لا يؤدي إلا إلى مضاعفة التوتر والاغتراب. إن التعامل مع الألم يمثل ركناً أصيلاً في صياغة النفس؛ فبدلاً من اعتباره عائقاً محضاً، يغدو أداة للتبصر. ومن هنا، فإن الانعتاق من "استبداد السعادة" لا يتحقق باللهاث المحموم وراء المشاعر الإيجابية، بل بامتلاك الجرأة على اختبار الوجود الإنساني في كليته. فمتى ما تصالح الفرد مع كينونته الممتزجة بالفرح والألم على حد سواء، كفَّت السعادة عن كونها "قيداً" يشل إمكانياتنا، لتصبح ثمرة حرية داخلية في ابتكار المعنى وتكثير الدلالة٠



