خورخي لويس بورخيس. حوار مع سوزان سونتاغ
خورخي لويس بورخيس: حوار مع سوزان سونتاغ
ترجمة بتصرف : ف. ف. ع
سوزان سونتاج: أود من بورخيس أن يشرح ماذا يعني له شخصيا ذلك الأثر الكبير الذي تركه في نفوس الكثير من الكتاب، وإن كنتُ لا أعرف ما إذا كان يتخيل بالفعل حجم هذا التأثير. فبورخيس يتحدث دائما بتواضع شديد عن أعماله الخاصة...
خورخي لويس بورخيس: هذا ليس تواضعا، بل هو مجرد تفكير سليم. يدهشني أنني مشهور، فلم أفكر قط في شيء كهذا. لقد جاءتني الشهرة بعد أن تجاوزت الخمسين من عمري؛ فجأة التفت الناس إليّ، وتوقفتُ عن كوني ذلك الشخص غير المرئي الذي كنتُه من قبل. الآن أحاول الاعتياد على الشهرة، وهذا يتطلب مني جهدا رهيبا. يدهشني جدا هذا الكرم العام من الجميع؛ وأشعر أحيانا بأنني أجسد نوعا من الخرافات الشائعة جدا في أيامنا هذه. وفي أي لحظة، قد ينكشف أمري وأبدو كمحتال، ولكن مهما يكن من أمر، فأنا محتال رغما عني.
سوزان سونتاج: أنت تتحدث غالبا بإعجاب عن الكتاب الآخرين، وخاصة كتاب الماضي...
خورخي لويس بورخيس: وخاصة الماضي الأمريكي، الذي أدين له بالكثير. عندما أفكر في منطقة نيو إنجلاند وفي ذلك العدد الهائل من الأشخاص الرائعين الذين قدمتهم نيو إنجلاند للعالم (وربما يمكن للمنجمين تفسير ذلك بطريقة ما)، أبدأ في تذكرهم: إيمرسون، ميلفيل، ثورو، هنري جيمس، إيميلي ديكنسون، وكثيرون غيرهم... لو لم يكن هؤلاء موجودين، لما كنا نحن هنا. فنحن، إلى حد ما، انعكاس لكوكبة نيو إنجلاند تلك.
سوزان سونتاج: ولكنك في البداية كنت مهتما أكثر بالأدب الإنجليزي، أليس كذلك؟
خورخي لويس بورخيس: نعم، ولكن أول رواية قرأتها في حياتي كانت مغامرات هكلبيري فين لمارك توين، ثم قرأت كتاب غزو المكسيك وبيرو لوليم بريسكوت. وما زلت ممتنا لهما حتى الآن... يبدو لي أن الكتاب يتأثرون بماضي البشرية ككل؛ ليس فقط بثقافة بلد واحد، ولا بلغة واحدة، بل حتى بكتّاب لم يقرأوا لهم قط، لكنهم يصلون إليهم عبر اللغة، لأن اللغة في حد ذاتها حقيقة جمالية، وهي نتاج عمل آلاف البشر.
سوزان سونتاج: ما هو الأدب الذي يثير اهتمامك بجانب الأدبين الإنجليزي والأمريكي؟
خورخي لويس بورخيس: حسنا، يأتي في المقدمة الأدب الإسكندنافي، الملاحم (الساغا)، والتراث الآيسلندي القديم... تعلمين، الأدب كله جميل. إن تخيل العالم بدون فيرلين أو بدون هوغو، على سبيل المثال، سيكون أمرا محزنا للغاية. وعلى أية حال، لِمَ يحرم المرء نفسه من متعة هذا التنوع ؟ ولماذا يصبح زاهدا في مكتبة؟ إن المكتبات تمنحنا سعادة دائمة وسعادة في المتناول. لو كنت مكان روبنسون كروزو، لكان الكتاب الذي سآخذه معي إلى الجزيرة هو تاريخ الفلسفة الغربية لبرتراند راسل، وربما كان ذلك سيكفيني. وإن كان من الأفضل بكثير لو سُمح لي بأخذ موسوعة ما. فبالنسبة لشخص عاطل وفضولي مثلي، فإن أفضل قراءة هي الموسوعات؛ سواء كانت الأقدم كموسوعة بليني، أو إحدى الموسوعات الحديثة كالموسوعة البريطانية، فجميعها لا تُقدر بثمن.
سوزان سونتاج: ما هو النوع الأدبي الذي تود الانشغال به الآن؟
خورخي لويس بورخيس: النوع الذي أشتغل عليه حاليا. أنا أكتب قصائد قصيرة وقصصا قصيرة. إنها تعجبني، لكني أشعر بحاجة داخلية لتكريس نفسي لهذا تحديدا، وإلا فستبدأ في ملاحقتي. وفقط بعد إتمام العمل، يمكنني الانتقال إلى شيء آخر. قريبا سأنشر كتابا بعنوان الرقم السري، سيضم ما بين ثلاثين إلى أربعين عملا قصيرا. لا أعرف إن كانت ستكون جيدة، أم ستبدو مبتذلة.
سوزان سونتاج: لقد كنت دائما تفضل الأشكال الأدبية القصيرة...
خورخي لويس بورخيس: لقد قال إدغار آلان بو ذات مرة إنه لا وجود لقصيدة طويلة في الطبيعة على الإطلاق.
سوزان سونتاج: ولكن هناك ما يشبه القصة الطويلة، وهو ما نسميه الرواية.
خورخي لويس بورخيس: كقاعدة عامة، لم أكن أحتمل قراءة هذا النوع الأدبي. والاستثناءات الوحيدة عندي هي رواية دون كيخوته، وروايات جوزيف كونراد، وتشارلز ديكنز. أما عدا ذلك، فحتى أشهر الروايات، كروايات ثاكري أو فلوبير، لم أستطع تحملها. ومؤسف أن يكون الأمر كذلك...
سوزان سونتاج: إحدى الظواهر المثيرة للدهشة في عصرنا هي الاهتمام العالمي بالأدب الياباني.
خورخي لويس بورخيس: نعم، أنا أحاول الآن تعلم اللغة اليابانية، لكنها معقدة للغاية... لغاتنا الغربية تبعد عنها بعد الإسبانية عن لغة الغواراني. اللغة اليابانية غنية جدا بالظلال والدلالات، ولهذا يمكنك قراءة عدة ترجمات لقصيدة هايكو واحدة، وتجدينها مختلفة تماما وفي نفس الوقت صحيحة كلها. هذا لأن الأصل يتسم بغموض حكيم (تماما كنثر هنري جيمس).
سوزان سونتاج: الشيء الأكثر إثارة للاهتمام في الأدب الياباني بالنسبة لي هو السعي نحو الاختزال أو المنمنمات.
خورخي لويس بورخيس: وفهم قيمة اللحظة؛ وهذا أمر يسترعي الانتباه في قصائد الهايكو. يبدو الأمر كما لو أن هدفهم هو إيقاف اللحظة. وثمة شيء آخر لاحظته، وهو غياب الاستعارات. يتولد انطباع بأن كل ظاهرة أو شيء بالنسبة لليابانيين هو أمر فريد من نوعه؛ لا يمكن مقارنة شيء بشيء آخر. أما التضاد أو المفارقة، فمرحّب بهما.
سوزان سونتاج: هل تريد أن تقول إن وظيفة الاستعارة هي إطالة أمد اللحظة؟
خورخي لويس بورخيس: بالطبع. وهذا، في اعتقادي، يتعارض مع مسعى الأدب الياباني الرامي إلى إيقاف اللحظة وتجميدها.
سوزان سونتاج: معظم الكتاب يشتكون باستمرار من مدى صعوبة الكتابة بالنسبة لهم.
خورخي لويس بورخيس: لا، على الإطلاق. إن عدم الكتابة هو الشيء المرعب. بالنسبة لي، سيكون ذلك مستحيلا تقريبا.
سوزان سونتاج: بلا شك، بورخيس هو استثناء. أنا أفكر غالبا في أن كون المرء كاتبا هو دعوة نادرة جدا وغريبة. تقريبا كل الكتاب الذين أعرف عنهم شيئا (بمن فيهم أنا نفسي) كانوا يعرفون منذ طفولتهم المبكرة ماذا يريدون أن يصبحوا.
خورخي لويس بورخيس: حسنا، على الأقل كونراد ودي كوينسي كانا يعرفان ذلك؛ وأنا أيضا (وليس هذا على سبيل المقارنة بهما) كنت أعرف دائما أن الأدب سيكون قدري. كنت أعلم أنني سأرتبط بالأدب: إما ككاتب أو كقارئ.
سوزان سونتاج: وهل فكرت يوما في الكتب التي كان من المفترض أن تنشرها؟
خورخي لويس بورخيس: لا، لم أفكر في هذا قط. كنت أفكر في متعة القراءة ومتعة الكتابة، ولكن... النشر؟ لا، أبدا.
سوزان سونتاج: هل تعتقد أنه كان بإمكانك أن تصبح كاتباً مثل إيميلي ديكنسون، التي لم تنشر شيئا طوال حياتها؟
خورخي لويس بورخيس: نعم، ولكن الخطوة غير الحكيمة قد اتُّخذت بالفعل. ذات مرة سألت ألفونسو رييس لماذا نطبع أعمالنا، فأجابني رييس: نحن ننشر أعمالنا لكي لا نقضي حياتنا في إعادة تعديل المسودات إلى ما لا نهاية. وأعتقد أنه كان على حق. في كل مرة يصدر فيها كتاب لي، لا أحاول معرفة ما يحدث له، ولا أقرأ مطلقا أي شيء مما يُكتب عنه، ولا أعرف إن كان رائجا في السوق أم لا. أحاول ببساطة أن أحلم بشيء آخر وأن أكتب كتابا جديدا، مختلفا تماما. ولكن، كقاعدة عامة، يخرج كل كتاب تالٍ مشابها جدا للكتاب الذي سبقه.
سوزان سونتاج: سُئل فاليري ذات مرة كيف يعرف أن القصيدة قد اكتملت، فأجاب: عندما يأتي الناشر ويأخذها بعيدا.
خورخي لويس بورخيس: يدهشني دائما عندما يدور الحديث عن المراجعة النهائية. هل يمكن الافتراض بأن المؤلف لن يجد يوما ما نقطة أو صفة في غير مكانها؟ هذا عبث.
سوزان سونتاج: أنا أيضا أشعر بأنني أود إعادة كتابة كل ما كُتب تقريبا من جديد.
خورخي لويس بورخيس: أما أنا فأود تدمير كل ما كتبت. ربما يسعدني أن أنقذ كتابا واحدا فقط وهو كتاب الرمل، وربما أيضا قصة البرلمان. أما كل ما عدا ذلك فيمكن، بل ويجب، أن يُنسى.
سوزان سونتاج: ما الذي يراه بورخيس بخصوص الاختلاف بين النثر والشعر؟
خورخي لويس بورخيس: أعتقد أن هذا الاختلاف ينبع في الأساس من القارئ، وليس من النص. فمن صفحة النثر، يتوقع القارئ أخبارا، ومعلومات, وأحكاما؛ أما قارئ الشعر فيعلم بدوره أن القصائد يجب أن تؤثر في مشاعره. لا توجد اختلافات في النص نفسه، بل الاختلاف في القارئ، وفي التهيؤ الذهني المختلف للقراءة. وأعتقد أيضا أن الكتاب الكلاسيكي ليس كتابا كُتب بطريقة خاصة، بل هو كتاب قُرئ بطريقة خاصة.
سوزان سونتاج: أي أنك تؤمن حقا بوجود أنواع مختلفة من القراء؟
خورخي لويس بورخيس: هناك أنواع القراء بعدد القراء في العالم تماما. وبالمثل، أنا أؤمن بأن كل صفحة شعر أو نثر هي صفحة فريدة لا تتكرر.
سوزان سونتاج: إذن، دعنا نسهم في توسيع مجتمع القراء.
خورخي لويس بورخيس: نعم، لأن هذه الفئة من البشر مهددة بالانقراض. فالكتاب الآن كثر، أما القراء فلا يكاد يوجد منهم أحد. دعينا إذن نؤسس طائفة القراء أو الجمعية السرية للقراء...
تحياتي الزكيات


