قصة قصيرة: الموتى لا يتكلمون٠ آرثر شنيتزلر
قصة: الموتى لا يتكلمون
تأليف: آرثر شنيتزلر
ترجمة: بكاي كطباش
لم يعد يطيق صبرا على الجلوس داخل العربة؛ ترجل وبدأ يذرع الرصيف جيئة وذهابا. كان الليل قد خيم ، ومصابيح الشارع القليلة في هذا الزقاق المنعزل الهادئ تترنح أضواؤهـا بفعل الريح العاصفة. توقف المطر أخيرا، وبدت الأرصفة جافة تقريبا، بينما ظلت الطرقات غير المعبدة غارقة في وحلها، تتخللها هنا وهناك برك صغيرة من الماء.
فكر فرانتس في نفسه: "أمر غريب! نحن هنا على بعد خطوات قليلة من شارع براتر، ومع ذلك يشعر المرء وكأنه نُفي إلى بلدة مجرية نائية". لكنه استدرك مفكرا أن هذا المكان، على الأقل، يمنحهما الأمان؛ فمن المستحيل أن تلتقي هنا بأحد من معارفها الذين تخشى نظراتهم.
ألقى نظرة على ساعته.. إنها السابعة، والظلام دامس تماما. يبدو أن الخريف قد حلّ مبكرا هذا العام، ناهيك عن هذه العاصفة اللعينة.
رفع ياقة معطفه، وزاد من سرعة خطاه. كانت نوافذ الفوانيس تهتز وتصطدم ببعضها مصدرة طنينا معدنيا. قال لنفسه: "نصف ساعة أخرى، وسأغادر.. بل ليت تلك اللحظة قد حانت بالفعل". توقف عند ناصية الطريق، حيث يمكنه مراقبة الشارعين اللذين يفترض أن تأتي من أحدهما.
ثبّت قبعته بيده كي لا تطير مع الريح وفكر: "نعم، ستأتي اليوم بالتأكيد. إنه يوم الجمعة، موعد اجتماع هيئة الأستاذة.. هذا يمنحها الجرأة على الخروج، بل والبقاء لوقت أطول". تناهى إلى مسامعه رنين قطار الخيل، وأخذت أجراس كنيسة نيبوموك القريبة تقرع. بدأ الشارع ينبض بالحياة، ومرّ بجانبه أناس كثر؛ كان معظمهم فيما يبدو من موظفي المتاجر التي تغلق أبوابها في السابعة. كانوا يمشون بخطى حثيثة، خائضين معركة صامتة ضد الريح التي تعيق تقدمهم. لم يلتفت إليه أحد، باستثناء بضع فتيات من عاملات المحال اللواتي رمقنه بنظرات فضولية عابرة.
وفجأة، لمح قواما مألوفا يقترب بسرعة. أسرع نحوها وهو يتساءل بذهول: "هل جاءت من دون عربة ؟ أهذه هي حقا؟".
كانت هي؛ وما إن لمحته حتى تضاعفت سرعة خطاها نحوه.
ـ "هل جئت سيرا على الأقدام؟" سألها بدهشة.
أجابته وهي تلتقط أنفاسها: "لقد صرفت العربة عند مسرح كارل ٠٠ ساورني شكّ أنني ركبت مع السائق ذاته من قبل".
في تلك اللحظة، مرّ رجل بجانبهما وألقى نظرة خاطفة على السيدة. رمقه الشاب بنظرة حادة تكاد تكون تهديدا، فأسرع الرجل في خطاه وابتعد، بينما ظلت هي تتبعه بنظراتها وقالت بخوف: "من كان هذا؟".
طمأنها قائلا: "لا أعرفه، لا يوجد معارف لنا هنا، اهدئي.. والآن هيا بنا بسرعة، لنصعد إلى العربة".
ـ "أهذه عربتك؟"
ـ "نعم".
ـ "ومكشوفة أيضا؟!"
ـ "قبل ساعة واحدة كان الجو رائعا".
هرعا نحو العربة وصعدت السيدة. نادى الشاب: "أيها السائق!". ثم التفتت إليه متسائلة: "أين ذهب؟".
بحث "فرانتس" حوله بذهول وقال: "هذا لا يُصدق! لا أثر للرجل".
همست في ذعر: "يا إلهي!".
ـ "انتظري لحظة يا عزيزتي، من المؤكد أنه قريب".
فتح الشاب باب حانة صغيرة قريبة، فوجد السائق جالسا إلى طاولة مع بعض الأشخاص؛ فنهض الرجل على الفور: "آت حالا يا سيدي"، وأنهى كأسه واقفا بجرعة واحدة.
ـ "ما الذي دهاك؟ كيف تترك مكانك؟" صاح به فرانتس.
اعتذر السائق وهو يترنح قليلا نحو الخيول: "المعذرة يا سيدي، ها قد عدت.. إلى أين الوجهة؟".
ـ "إلى شارع براتر ٠٠ استراحة لوس هاوس".
صعد الشاب إلى العربة، بينما انزوت السيدة في الركن، تكاد تختفي تحت غطاء العربة المرفوع. أمسك فرانتس بكلتا يديها، لكنها ظلت ساكنة بلا حراك، فقال بعتاب: "ألن تقولي لي مساء الخير على الأقل؟".
أجابته بتعب: "أرجوك، اتركني للحظة واحدة، ما زلت أشعر بضيق في نفسي".
استند الشاب إلى ركنه، وساد الصمت بينهما لفترة. انعطفت العربة نحو شارع براتر، مرت بجوار تمثال تيجيتوف، وبعد ثوانٍ قليلة كانت تنطلق بسرعة في طريق براتر العريض المظلم. وفجأة، ارتمت إيما في أحضان حبيبها، فأزاح برفق ذلك الخمار الذي كان يحول دون شفتيها، وقبلها.
قالت بهمس: "أخيراً.. أنا معك".
هتف فرانتس بلهفة: "أتدركين كم مضى على آخر لقاء بيننا؟".
أجابت بصوت خافت: "منذ الأحد الماضي".
ـ "نعم، وحتى في ذلك اليوم لم نكن معا إلا من بعيد".
ـ "كيف ذلك؟ لقد كنت ضيفا في منزلنا".
ـ "بالضبط.. في منزلكم! آه، لا يمكن للأمور أن تستمر هكذا. لن أطأ بيتكم مرة أخرى أبدا.. ولكن، ما بكِ؟ ما الذي يزعجك؟".
قالت بقلق: "هناك عربة مرت بجوارنا للتو".
ـ "يا عزيزتي، صدقيني، الذين يتنزهون في براتر في مثل هذا الجو لا يبالون بنا بتاتا".
ـ "قد يكون هذا صحيحا، لكن المصادفة قد تدفع أحدهم للنظر داخل عربتنا".
ـ "مستحيل أن يميز أحد ملامحنا في هذا الظلام!".
قالت بإلحاح : "أرجوك.. لنذهب إلى مكان آخر".
ـ "كما تشائين".
نادى السائق، لكن الأخير لم يسمعه وكأنه في عالم آخر، فمال "فرانتس" بجسده ولمسه بيده لينبهه. التفت السائق نحوه، فقال له فرانتس:
"عُد أدراجك.. ولماذا تنهال على الخيول بالسوط هكذا؟ لسنا في عجلة من أمرنا، هل تسمع؟ انطلق بنا نحو.. أتعرف ذلك الطريق المؤدي إلى جسر رايشس؟"٠
ـ "تقصد طريق (رايشس) الرئيسي؟".
ـ "نعم، ولكن لا تسرع كالمجنون، فلا داعي لهذا الاندفاع".
رد السائق معتذرا: "العفو يا سيدي، العاصفة هي التي جعلت الخيول هائجة هكذا".
تمتم فرانتس وهو يعود لمقعده: "آه، نعم.. العاصفة".
دار السائق بالعربة وانطلقوا في الاتجاه المعاكس. سألته إيما: "لماذا لم أركَ بالأمس؟".
ـ "وكيف كان لي أن آتي؟".
ـ "ظننتك مدعوا عند شقيقتي أنت أيضا".
ـ "آه، فهمت".
ـ "ولماذا لم تذهب؟".
ـ "لأنني لم أعد أطيق رؤيتكِ وسط الزحام ومع الآخرين.. لا، لن أفعل ذلك مجددا".
هزت كتفيها بلامبالاة، ثم سألت بعد برهة: "أين نحن الآن؟".
كانت العربة تمر أسفل جسر السكة الحديدية لتدخل طريق رايشس"٠
قال فرانتس: "نحن الآن في طريقنا إلى الدانوب العظيم، في اتجاه جسر رايشس٠٠لا معارف هنا!"، أضاف جملته الأخيرة بنبرة تهكمية.
قالت إيما: "العربة تهتز بشكل فظيع!".
ـ "نعم، لقد عدنا إلى الطريق المرصوف بالحجارة".
تابعت بقلق: "ولماذا يقود السائق هكذا؟ إنه يتسكع يمينا ويسارا!".
ـ "يخيل إليكِ ذلك فقط".
قال فرانتس هذا بينما كان يشعر في قرارة نفسه أن العربة تترنح بعنف يفوق المعتاد، لكنه آثر الصمت كي لا يضاعف من توترها.
ـ "إيما، لديّ الكثير من الأمور الجادة التي أريد مناقشتها معكِ الليلة".
ـ "إذا ابدأ فورا، فعليّ أن أكون في المنزل عند التاسعة".
ـ "كلمتان فقط وقد يُحسم كل شيء".
وفجأة.. صرخت بذعر: "يا إلهي! ما هذا؟".
انزلقت عجلات العربة في مسار قطار الخيل، وعندما حاول السائق الانحراف بها للخروج، انعطفت العربة بحدة مريعة حتى أوشكت على الانقلاب. أمسك فرانتس بتلابيب معطف السائق وصاح به: "توقف! توقف فورا.. أنت ثمل بلا شك!".
كبح السائق جماح الخيول بصعوبة، وتمتم وهو يترنح: "ولكن يا سيدي..".
ـ "هيا يا إيما، لننزل هنا".
ـ "أين نحن؟".
ـ "عند الجسر تماما. العاصفة هدأت قليلا الآن، دعينا نمش قليلا، فالعربة لا تصلح لحديث جاد".
أنزلت "إيما" خمارها على وجهها وتبعته، وما إن وطئت قدماها الأرض حتى صدمتها ريح عاتية، فصاحت: "وتسمي هذا هدوءا؟!".
أمسك ذراعها ليدعمها، ثم نادى السائق: "اتبعنا بالعربة".
سارا معا في صمت بينما كان الجسر يرتفع بهما تدريجيا، وعندما وصلا إلى منتصفه وسمعا هدير المياه من تحتهما، توقفا لبرهة. كان ظلام دامس يحيط بهما؛ والنهر العريض يمتد رماديا بلا حدود واضحة، وفي الأفق البعيد، تراءت لهما أضواء حمراء بدت وكأنها تطفو فوق الماء وتنعكس على سطحه. ومن الضفة التي غادراها للتو، تدلت خيوط من الضوء ترتجف فوق الموج، بينما بدا النهر على الضفة الأخرى وكأنه يغوص في غابات سوداء موحشة.
فجأة، تناهى إلى مسامعهما دويّ رعد بعيد يقترب شيئا فشيئا؛ التفت كلاهما بتلقائية نحو الأضواء الحمراء المتوهجة، فإذا بقطارات تلمع نوافذها بالضياء تمرق عبر القناطر الحديدية، التي بدت وكأنها تبرز فجأة من جوف الليل ثم تغوص فيه من جديد. تلاشى الدوي تدريجيا وسكن كل شيء، ولم يبقَ إلا هبات الريح المباغتة.
بعد صمت طويل، قال فرانتس: "علينا أن نرحل بعيدا".
أجابت إيما بصوت خافت: "بالتأكيد".
ـ "أقصد أن نرحل للأبد"، أضاف بحدة، "أن نهرب تماما".
ـ "لكن هذا مستحيل".
ـ "بل ممكن، لكننا جبناء يا إيما.. هذا هو السبب الوحيد".
ـ "وطفلي؟ ماذا عنه؟"
ـ "أنا واثق تماما أنه سيتركه لكِ".
سألته بصوت خفيض: "وكيف سيحدث ذلك؟ أنهرب في جنح الليل والضباب؟".
ـ "لا، ليس هكذا أبدا. كل ما عليكِ فعله هو أن تقولي له ببساطة أنه لم يعد بمقدوركِ العيش معه، لأنكِ أصبحتِ تنتمين لرجل آخر".
ـ "هل فقدت صوابك يا فرانتس؟".
ـ "إذا أردتِ، سأعفيكِ من هذه المواجهة.. سأخبره أنا بنفسي".
ردت بحزم: "لن اسمح بذلك أبدا".
حاول أن يستجلي ملامح وجهها، لكن العتمة لم تسمح له بأكثر من رؤية رأسها المرفوع وهي تلتفت نحوه. سكت لبرهة، ثم قال بهدوء: "لا تقلقي.. لن أفعل".
كانا يقتربان من الضفة الأخرى حين سألت فجأة: "ألا تسمع شيئا؟ ما هذا الصوت؟".
أجابها: "إنه قادم من الجهة المقابلة".
رويدا رويدا، بدأ صوت عجلات يخرج من رحم الظلام؛ ضوء أحمر ضئيل يتهادى نحوهما، سرعان ما تبين أنه صادر من فانوس صغير مُعلق في مقدمة عربة ريفية، لكنهما لم يستطيعا تمييز ما إذا كانت محملة بالبضائع أم بالبشر. تلتها عربتان متشابهتان، وعلى الأخيرة لمحا رجلاً بزيّ الفلاحين يشعل غليونه. مرت العربات بسلام، وعاد الصمت لا يقطعه إلا الوقع المكتوم لخيول عربتهما التي كانت تتبعهما ببطء على بعد عشرين خطوة.
بدأ الجسر ينحدر قليلا نحو الضفة الأخرى، حيث انبسط الطريق أمامهما وهو يغوص بين الأشجار في جوف العتمة. وعلى جانبيهما، بدت الغابات والسهول في الأسفل وكأنها هاوية سحيقة.
بعد صمت طويل، قال فرانتس فجأة: "إذا، هذه هي المرة الأخيرة..".
سألته بنبرة قلقة: "الأخيرة في ماذا؟".
ـ "المرة الأخيرة التي نلتقي فيها. ابقي معه.. اعتبريني غادرت حياتكِ بدءا من الآن"
ـ "أهذا كلام جاد؟".
ـ "بكل تأكيد".
ـ "أرأيت؟ أنت دائما من يفسد علينا هذه الساعات القليلة التي نسرقها، ولستُ أنا!".
تمتم فرانتس: "أجل، أجل.. معكِ حق. هيا بنا، لنعد أدراجنا".
لكنها تشبثت بذراعه بقوة وقالت برقة: "لا.. لن أعود الآن. لن أسمح لك بأن تطردني بهذه الطريقة".
جذبته نحوها وطبعت على شفتيه قبلة طويلة، ثم سألته بدلال: "إلى أين سنصل لو استمررنا في طريقنا هذا؟".
ـ "إلى براغ مباشرة يا عزيزتي".
أجابت بابتسامة: "ليس إلى هذا الحد.. لكن لنذهب أبعد قليلا في ذلك الاتجاه إن أردت", وأشارت بيدها نحو عتمة الطريق.
صاح فرانتس: "يا سائق!"، لكن الرجل لم يسمع. عاد ليصرخ بأعلى صوته: "توقف مكانك!". إلا أن العربة استمرت في اندفاعها، فاضطر فرانتس للركض خلفها، ليكتشف أن السائق قد استسلم للنوم. استطاع إيقاظه بصيحات حادة، وقال له: "سنكمل الطريق قليلا للأمام.. في خط مستقيم.. أتفهم ما أقول؟".
تمتم السائق وهو يغالب النوم: "حاضر يا سيدي.. كما تأمر".
صعدت إيما وتبعها فرانتس، وما إن استقرا حتى انهال السائق بسوطه على الخيول، فاندفعت العربة بجنون فوق الطريق الموحل، بينما تشبث العاشقان ببعضهما والاهتزازات تتقاذفهما يمنة ويسرة.
همست إيما وهي تقرب فمها من وجهه: "أليس هذا رائعا أيضا؟".
في تلك اللحظة بالذات، شعرت وكأن العربة قد طارت فجأة في الهواء؛ أحست بنفسها تُقذف بعيدا، وحاولت التشبث بأي شيء لكن يدها لم تقبض سوى على الفراغ. خُيل إليها أنها تدور حول نفسها بسرعة جنونية، فأغمضت عينيها هربا من الدوار.. وفجأة، وجدت نفسها ملقاة على الأرض. حلّ سكون رهيب وثقيل، شعرت معه وكأنها انقطعت عن العالم وصارت وحيدة تماما.
بعد برهة، بدأت تتداخل الأصوات في مسمعها: وقع حوافر خيول تضرب الأرض بالقرب منها، وأنين خافت لا يكاد يُسمع، لكنها لم تكن ترى شيئا. تملكها رعب هستيري فصرخت، إلا أن رعبها تضاعف حين اكتشفت أنها لا تسمع صدى صراخها! وفجأة، أدركت بوضوح ما حدث: لقد اصطدمت العربة بشيء ما، ربما أحد أحجار الطريق، فانقلبت وقُذفا منها إلى الخارج.
"أين هو؟" كان هذا أول ما قفز إلى ذهنها. نادت باسمه، وسمعت صوتها هذه المرة خافتا لكنه ما زال يسمع ، إلا أنها لم تتلق أي رد. حاولت النهوض، ونجحت في اتخاذ وضعية الجلوس، وعندما مدت يدها تتلمس ما حولها، اصطدمت بجسد ممدد بجانبها.
بدأت عيناها تخترقان حجب الظلام؛ كان فرانتس مستلقيا بجوارها بلا حراك. لمست وجهه بيد مرتجفة، ففوجئت بشيء دافئ ولزج يسيل عليه. انقطع نفسها.. أهذا دمه؟ ما الذي حدث؟ فرانتس مصاب وفاقد للوعي. وأين السائق؟ نادت عليه بكل قوتها، لكن بلا فائدة . ظلت جالسة مكانها على الأرض الباردة، والذهول يشل أطرافها.
رغم الألم الذي كان يلهب كل أطرافها،أخذت "إيما" تطمئن نفسها: "أنا بخير، لم يمسسني سوء، ماذا أفعل الآن؟ يا إلهي، ماذا عساي أن أفعل؟.. ليس من المعقول أن أنجو أنا هكذا بلا خدش واحد!". صرخت : "فرانتس!".
جاءها صوت من مكان قريب: "أين أنتِ يا سيدتي؟ وأين السيد؟ آمل ألا يكون مكروه قد أصابكما! انتظري لحظة، سأشعل الفانوس لنرى ما حدث.. لا أدري ما الذي دها هذه الدواب اللعينة اليوم! أقسم لكِ لستُ المخطئ، لقد اقتحمت كومة الحجارة تلك فجأة.. تبا لها من خيول!".
تحاملت إيما على آلامها وانتصبت واقفة، وشعرت بشيء من الارتياح حين أدركت أن السائق لم يصب بأذى. سمعت طقطقة غطاء الفانوس وصوت احتكاك أعواد الثقاب، فانتظرت الضوء بقلب واجف. لم تجرؤ على لمس فرانتس الممدد أمامها على الأرض مرة أخرى؛ فكرت: "العتمة تجعل كل شيء يبدو أكثر رعبا.. من المؤكد أنه يفتح عينيه الآن.. من المؤكد أن الأمر لا يستدعي كل هذا الاضطراب".
انبعث بصيص من الضوء من جانب الطريق. رأت العربة فجأة، ولدهشتها لم تكن منقلبة تماما، بل كانت مائلة بشدة نحو خندق على جانب الطريق، وكأن إحدى عجلاتها قد انكسرت، بينما وقفت الخيول في هدوء تام. اقترب الضوء، ورأت شعاعه يزحف ببطء على حجر الطريق ، ثم على كومة الحجارة، لينزلق نحو الخندق.. زحف الضوء فوق قدمي فرانتس، وارتفع فوق جسده، حتى أضاء وجهه واستقر عليه.
وضع السائق الفانوس على الأرض بجوار رأس الرجل الممدد تماما على الأرض. جثت إيما على ركبتيها، وشعرت وكأن قلبها قد توقف عن الخفقان وهي تتأمل ذلك الوجه. كان شاحبا كالأموات، وعيناه شبه مفتوحين بحيث لا يظهر منهما سوى البياض. ومن صدغه الأيمن، كان خيط من الدم يسيل ببطء على وجنته ليختفي تحت ياقة قميصه عند الرقبة، بينما غرزت أسنانه في شفته السفلى. تمتمت "إيما" بذهول: "هذا مستحيل.. غير ممكن!".
جثا السائق هو الآخر وأخذ يحدق في الوجه، ثم أمسك الرأس بكلتا يديه ورفعه للأعلى. صرخت "إيما" بصوت مخنوق: "ماذا تفعل؟!". ارتاعت من منظر ذلك الرأس الذي بدا وكأنه ينتصب من تلقاء نفسه.
قال السائق بنبرة منكسرة: "يا سيدتي.. يبدو أن مصيبة كبرى قد وقعت".
ردت "إيما" غير مصدقة: "هذا ليس صحيحا.. لا يمكن أن يكون قد حدث شيء! هل أصبتَ أنت؟ وأنا.. أنا بخير..".
أرخى السائق قبصته، ليرتخي رأس الرجل الهامد ببطء ويسقط في حجر "إيما" المرتجف.
ـ "لو أن أولئك الفلاحين مروا من هنا متأخرين ربع ساعة فقط.. لو أن أحدا يأتي الآن.." تذمر السائق بصوت متهدج.
سألت "إيما" وشفاها ترتجف: "ماذا علينا أن نفعل؟".
ـ "يا آنستي، لو لم تتحطم العربة لكان الأمر أهون.. لكن بوضعها الحالي.. ليس أمامنا سوى انتظار عابر سبيل".
استرسل السائق في حديثه، لكن كلماتِه كانت تمر بمسمع ايما دون أن تعيها؛ غير أن تلك اللحظات من الصمت القسري أعادت إليها رشدها فجأة، وأدركت ما يجب فعله.
سألته: "كم تبعد أقرب البيوت من هنا؟".
ـ "ليست بعيدة يا آنستي، منطقة فرانتس يوزيف على مرمى حجر.. لو كان هناك ضوء لرأينا المنازل، خمس دقائق مشيا وتصلين إلى هناك".
ـ "اذهب إذا.. سأبقى أنا هنا، اذهب واطلب النجدة".
تردد السائق قائلا: "يا آنستي، أظن أن الأفضل أن أبقى معكِ.. لن يطول الأمر حتى يمر أحد، فنحن على طريق رايشس الرئيسي و..".
قاطعته بحدة: "سيكون الوقت قد فات! قد يفوت الأوان تماما.. نحن بحاجة إلى طبيب فورا".
نظر السائق إلى وجه الرجل الهامد، ثم هز رأسه وهو ينظر إلى إيما بأسى. صرخت فيه: "أنت لا تعلم يقينا ما أصابه.. ولا أنا أيضا!".
ـ "حقا يا آنستي.. ولكن أين سأجد طبيبا في هذه المنطقة؟".
ـ "فليرسلوا أحدا من هناك إلى المدينة و..".
ـ "يا آنستي، خطرت لي فكرة! لعلهم يملكون هاتفا هناك، يمكننا الاتصال بجمعية الإسعاف".
ـ "نعم، هذا هو الحل الأمثل! اذهب فورا، اركض بحق السماء! وأحضر معك أناسا للمساعدة.. أرجوك، اذهب، لماذا لا تزال واقفا؟".
ألقى السائق نظرة أخيرة على الوجه الشاحب المسجى في حجر إيما٠ تمتم بيأس: "إسعاف.. طبيب.. أخشى أن كل هذا لن يجدي نفعا الآن".
ـ "اذهب! بحق الله اذهب!".
ـ "سأذهب.. سأذهب، لكن لا تخافي يا آنستي من البقاء وحيدة هنا في هذا الظلام".
انطلق السائق مسرعا عبر الطريق، وهو يبرطم لنفسه: "أقسم أنني لست المخطئ.. ما الداعي أصلا للخروج إلى طريق رايشس في قلب الليل؟!".
بقيت إيما وحيدة مع الجسد الهامد في ظلمة الشارع الموحش. فكرت بذهول: "ماذا الآن؟". كانت فكرة واحدة تلح على عقلها وتتكرر كنبض محموم: "هذا مستحيل.. لا يمكن أن يكون قد مات". فجأة، خُيل إليها أنها تسمع أنفاسا بجانبها، فانحنت بلهفة نحو تلك الشفاه الشاحبة.. لكن لا، لم يكن هناك أثر للحياة. حتى الدماء على صدغه ووجنته بدت وكأنها تجمدت. حدقت في عينيه؛ تلك العينان المنطفئتان المنكسرتان، فانتفض جسدها رعبا. "لماذا أكذب على نفسي؟ الأمر حتمي.. هذا هو الموت!". سرت قشعريرة باردة في أوصالها، ولم تعد تشعر إلا بشيء واحد: "ميت.. أنا وجثة.. جثة تتوسد حجري". وبيدين مرتعشتين، أزاحت رأسه برفق حتى استقر ثانية على الأرض.
حينها فقط، دهمها شعور موحش بالوحدة. لِمَ أرسلت السائق بعيدا؟ أي حماقة ارتكبتها! ماذا عساها أن تفعل وحدها في هذا الطريق الخالي مع رجل ميت؟ وماذا لو جاء بعض المارة وتوقفوا ؟ نعم، ماذا ستفعل حينها؟ وكم سيمر من الوقت وهي تنتظر هنا؟
نظرت إلى الجثة مجددا، ثم تذكرت: "لستُ وحدي تماما معه، فهناك ضوء". شعرت فجأة بامتنان لهذا الضوء الضئيل، وكأنه كائن أليف وودود يجب شكره؛ ففي ذلك اللهب الصغير من الحياة ما يفوق كل هذا الليل الممتد حولها. بل خُيل إليها أن هذا النور هو درعها وحمايتها من ذلك الرجل الشاحب المخيف الممدد بجانبها. ظلت شاخصة ببصرها في الضوء حتى بدأت عيناها تغيمان، وبدا اللهب وكأنه يرقص أمامها.
وفجأة، انتابها شعور غريب، وكأنها استيقظت من غفوة، فانتفضت واقفة! "هذا مستحيل.. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع! لا يجوز أن يجدني أحد هنا معه". خُيل إليها أنها ترى نفسها واقفة في عرض الطريق، والجثة والمصباح عند قدميها؛ رأت صورتها كظِلّ عملاق يمتد في قلب الظلمة. تساءلت وعقلها يتسابق مع الزمن: "ماذا أنتظر؟ أأنتظر الناس؟ وما حاجتهم إليّ؟ سيأتون ويسألون.. وأنا، ما الذي يربطني بهذا المكان؟ الجميع سيحققون في هويتي.. بماذا سأجيبهم؟ لا شيء. لن أنبس ببنت شفة حين يصلون، سألوذ بالصمت.. صمت مطبق.. فلا أحد يملك إرغامي على الكلام".
تناهى إليها أصوات من بعيد. فكرت بذعر: "بهذه السرعة؟". أنصتت بقلب وجل؛ كانت الأصوات قادمة من ناحية الجسر، مما يعني أنهم ليسوا الرجال الذين استدعاهم السائق. لكن أيا كان القادمون، فمن المؤكد أنهم سيلمحون الضوء، وهذا ما لا يجب أن يحدث، وإلا انكشف أمرها. وبحركة سريعة، ركلت المصباح بقدمها فانطفأ فورا. الآن، ها هي غارقة في ظلام دامس. لم تعد ترى شيئا، حتى هو غاب عن ناظريها، ولم يتبقَ سوى بريق باهت ينعكس على كومة الحجارة البيضاء. اقتربت الأصوات أكثر، فبدأ جسدها يرتجف بعنف. "المهم ألا يكتشفوا وجودي هنا.. بحق السماء، هذا هو الشيء الوحيد الذي يهم الآن". لا شيء يهم الآن سوى هذا.. لا شيء على الإطلاق! إذا افتضح أمرها فهذا يعني ضياعها المحتوم، يكفي أن يعرف إنسان واحد أنها كانت عشيقة لـ...
شبكت أصابعها ببعضها في ضراعة وتوسل، وأخذت تدعو ألا يلحظها العابرون على الجانب الآخر من الطريق. أرهفت سمعها.. نعم، هناك أصوات.. ماذا يقولون؟ يبدو أنهن امرأتان أو ثلاث. لقد انتبهن للعربة، وبدأن يتحدثن عنها، استطاعت تمييز بعض الكلمات: "عربة.. منقلبة..". ماذا قلن أيضا؟ لم تستطع الفهم، لكن خطاهن ابتعدت.. لقد مررن بسلام.. الحمد لله!
والآن، ما الخطوة التالية؟ آه، ليتها ماتت معه! إنه الآن في حال يُحسد عليه، فكل شيء بالنسبة له قد انتهى.. لا خطر يتهدده ولا خوف يطارده. أما هي، فترتعد من مخاوف لا حصر لها؛ تخشى أن يُعثر عليها هنا، أن يسألوها: "من أنتِ؟"، أن تُساق إلى مركز الشرطة، أن يفتضح أمرها أمام الملأ، أن يعرف زوجها.. أن يضيع طفلها..
لم تستوعب كيف ظلت واقفة هناك كل هذا الوقت كأنها شجرة غُرست جذورها في الأرض. بإمكانها الرحيل الآن، فوجودها لن ينفع أحدا، بل لن يجلب لها سوى الخراب. خطت خطوة.. بحذر.. تعين عليها عبور الخندق الجانبي.. ثم صعودا نحو الطريق.. آه، كم كان المنحدر يسيرا! خطوتان أخريان وصارت في منتصف الطريق تماما. توقفت لبرهة، شاخصة ببصرها نحو المدى، حيث يمتد الطريق الرمادي ليغوص في أحشاء الظلام. هناك.. هناك تقبع المدينة. لا ترى منها شيئا، لكن الوجهة واضحة في ذهنها.
التفتت خلفها مرة أخيره. لم يكن الظلام دامسا كما خيّل إليها؛ فبإمكانها رؤية العربة بوضوح، وحتى الخيول.. وإذا أجهدت بصرها، استطاعت تمييز شبح جسد بشري ممدد على الأرض. اتسعت عيناها رعبا، وشعرت وكأن شيئا ما يشدها للخلف.. كأن ذلك الميت هو من يريد إبقاءها بجواره، فاستبد بها الذعر من سطوته الغيبية.. لكنها تحررت من قيده بقوة، وانتبهت لبلل الأرض تحت قدميها؛ كانت تقف فوق طريق زلق، وكأن الغبار المبتل يتشبث بها ليمنعها من الرحيل. لكنها انطلقت.. مشت.. ثم أسرعت.. ثم بدأت تركض.. بعيدا عن هناك.. عائدة إلى الصخب، إلى الضوء، إلى البشر!
هرولت على طول الطريق، ترفع طرف فستانها كي لا تتعثر، والريح تضرب ظهرها كأنها تدفعها للهروب دفعا. لم تعد تدري مِمَّ تفر بالضبط؛ أحقا تهرب من ذلك الرجل الشاحب القابع هناك خلفها عند حافة الخندق؟ أم تهرب من الأحياء الذين سيصلون إلى هناك بعد لحظات ويبحثون عنها؟ ماذا سيظنون؟ هل سيطاردونها؟ لكن لا، لن يدركها أحد، فقد اقتربت من الجسر، وقطعت مسافة تمنحها أمانا كافيا.
حينها فقط شعرت أن الخطر قد انحسر؛ فمن ذا الذي يمكنه التكهن بهويتها؟ لا توجد روح على وجه البسيطة يمكنها أن تحزر من هي تلك المرأة التي كانت تستقل العربة مع ذلك الرجل على طريق "رايشس". السائق لا يعرفها، ولن يتعرف عليها حتى وإن رآها لاحقا. ولن يهتم أحد أصلا بمعرفة من تكون.. فما شأنهم بها؟ أقنعت نفسها بأن قرار ابتعادها لم يكن نذالة، بل كان منتهى العقل والحكمة؛ حتى "فرانتس" نفسه كان سيؤيدها لو رآها. كان لزاما عليها أن تعود لبيتها، فلديها طفل وزوج، وضياعها كان محققا لو عُثر عليها هناك بجوار جثة عشيقها.
ها هو الجسر يلوح في الأفق، وبدا الطريق أكثر وضوحا.. نعم، ها هي تسمع هدير المياه كما سمعته من قبل. لقد وصلت إلى المكان الذي كانت تمشي فيه معه ذراعا بذراع.. متى كان ذلك؟ قبل كم ساعة؟ لا يمكن أن يكون قد مضى وقت طويل. أم تراه مضى؟ ربما غابت عن الوعي طويلا؟ ربما انتصف الليل أو اقترب الصبح وبدأوا يفتقدونها في البيت؟ لا، هذا مستحيل؛ فهي تدرك تماما أنها لم تفقد وعيها لحظة واحدة، وتتذكر الآن أدق التفاصيل، منذ سقوطها من العربة وحتى استيعابها لكل ما جرى. ركضت فوق الجسر وسمعت صدى خطواتها يتردد بوضوح، ولم تلتفت يمنة ولا يسرة. فجأة، لمحت خيالا يقترب منها، فأبطأت من سرعتها.. من عساه يكون؟ إنه رجل بزيٍّ رسمي. مشت ببطء شديد كي لا تثير الريبة، وشعرت بنظراته تخترقها. ماذا لو استجوبها؟ حين صارت بمحاذاته ميزت بدلة "حارس أمن"؛ تجاوزته بهدوء، لكنها سمعت وقع خطاه يتوقف خلفها. قاومت بكل ذرة في كيانها رغبتها في الركض مجددا، فذلك سيعني إدانة مؤكدة. استمرت في مشيتها الوئيدة، وتناهى إلى سمعها رنين قطار الخيول؛ إذا لم ينتصف الليل بعد.
استعادت سرعتها وهرولت نحو المدينة التي بدأت أنوارها تتلألأ من بعيد تحت قناطر السكة الحديدية، وخُيل إليها أنها تسمع ضجيجها المكتوم. "فقط هذا الطريق المنعزل، وبعده يأتي الخلاص", هكذا فكرت. وفجأة، شق سكون الليل صفير حاد، يزداد حدة واقترابا، ثم مرقت بجانبها عربة مسرعة. توقفت لا إراديا لتتبعها بنظراتها؛ كانت عربة الإسعاف. "يا للسرعة! كأنها السحر", فكرت بذهول. في تلك اللحظة، اعتصرها شعور غريب؛ شعرت برغبة عارمة في الصراخ خلفهم، في العودة معهم إلى حيث أتت. دهمها شعور مرير بالخزي لم تذق مثله قط، وأدركت في قرارة نفسها كم كانت جبانة ووضيعة.
ومع خفوت دويّ العجلات و صدى الصافرات ، غمرتها موجة عارمة من الغبطة، وكأنها غريقة كتبت لها النجاة، فانطلقت تسابق الريح. بدأت الوجوه تقبل نحوها، لكنها لم تعد تخشاهم؛ فقد عبرت المحنة الكبرى. أخذ صخب المدينة يتصاعد، والأضواء تزداد سطوعا، حتى لاحت لها صفوف المباني في شارع براتر٠ خُيل إليها أن هناك طوفانا من البشر ينتظرها ليبتلعها الزحام وتختفي فيه دون أثر.
وعندما وصلت إلى أول فانوس في الشارع، استجمعت شتات نفسها ونظرت في ساعتها؛ كانت التاسعة إلا عشر دقائق. وضعت الساعة على أذنها لتتأكد من عقاربها، لم تتوقف. فكرت بذهول: "أنا حية.. وبكامل صحتي.. حتى ساعتي لم تتعطل.. أما هو.. فقد رحل.. إنه القدر!". شعرت فجأة وكأن ذنوبها قد غُفرت، وكأنها لم ترتكب جُرما قط. "لقد انكشف الحق.. نعم، لقد انكشف", همست بهذه الكلمات بصوت مسموع.
تراءى لها سؤال: "ماذا لو حكم القدر بغير ذلك؟ ماذا لو كنتُ أنا الممدة في ذلك الخندق وهو الناجي؟". أيقنت أنه لم يكن ليهرب.. لا، ليس هو. لكنه رجل، أما هي فامرأة، ولديها طفل وزوج. لقد فعلت الصواب، كان واجباً عليها.. نعم، واجب مقدس. كانت تدرك في قرارة نفسها أن الواجب لم يكن دافعها الحقيقي، لكنها فعلت ما يمليه العقل.. تماماً كما يفعل الأخيار دوما بفطرتهم.
تخيلت للحظة لو أنها بقيت هناك؛ لكان أمرها قد انكشف الآن، ولربما حاصرها الأطباء بأسئلتهم: "وماذا عن زوجك يا سيدتي؟". يا إلهي! وصحف الغد.. والعائلة.. لكانت قد دُمرت للأبد دون أن تملك القدرة على إعادته للحياة. نعم، هذا هو الجوهر؛ لم يكن لضياعها أي معنى أو نفع.
اجتازت جسر السكة الحديدية.. وتابعت سيرها.. وها هي الآن عند نصب تيجيتوف حيث تتفرع الطرق. لم يكن هناك سوى قلة من المارة في هذه الليلة الخريفية العاصفة، لكنها شعرت بصخب المدينة الهائل يلفها؛ فمنذ قليل كانت هناك، حيث يسود صمت الموت الرهيب.
لا يزال أمامها متسع من الوقت، فزوجها لن يعود قبل العاشرة؛ وبإمكانها حتى تبديل ملابسها. ألقت نظرة فاحصة على فستانها، فتملكها الذعر حين رأته ملطخا بالوحل من كل جانب. "ماذا سأقول للخادمة؟". داهمتها فكرة أخرى بثت الرعب في أوصالها: غداً ستملأ أخبار الحادث كل الصحف، وسيتحدث الجميع عن "تلك المرأة" التي كانت في العربة ثم اختفت فجأة. ارتجفت من جديد؛ فهفوة واحدة غير محسوبة قد تجعل كل هذا العناء يذهب سدى. تحسست مفتاح الشقة في جيبها؛ ستفتح الباب بنفسها وتتسلل للداخل دون أن يشعر بها أحد.
استأجرت عربة أخرى، وكادت تملي على السائق عنوان بيتها، لكنها استدركت في اللحظة الأخيرة مدركة سوء هذه الحماقة، فذكرت له اسم شارع عشوائي قفز إلى مخيلتها. وبينما كانت العربة تشق طريق "براتر"، حاولت أن تستشعر أي عاطفة تجاه ما جرى، لكنها عجزت؛ لم تكن تشعر إلا برغبة وحيدة : أن تصل إلى البيت، أن تصبح في مأمن. أما ما عدا ذلك، فلم يعد يعنيها في شيء. منذ اللحظة التي قررت فيها ترك جثته وحيدة في الطريق، أخرست بداخلها كل صوتٍ كان يود البكاء عليه أو التفجع لمصابه. لم يعد يشغلها الآن سوى القلق على نفسها. "لستُ عديمة القلب.. أوه، لا!"، هكذا حدثت نفسها، وهي موقنة بأن أياما سوداء من اليأس بانتظارها، وربما يقضي عليها الندم لاحقا؛ أما الآن، فلا تشتهي إلا أن تجلس بهدوء وجفون جافة خلف مائدتها، مع زوجها وطفلها.
نظرت عبر النافذة؛ كانت العربة تعبر قلب المدينة حيث الأضواء الساطعة والناس يهرولون في كل اتجاه. وفجأة، ساورها شعور بأن كل ما عاشته في الساعات الماضية ليس إلا وهما، ليس إلا كابوسا ثقيلا لا يمكن استيعابه كواقع حقيقي لا رجعة فيه. أوقفت العربة في زقاق جانبي يؤدي إلى شارع "رينغ"، وترجلت، ثم انطلقت سريعا لتنعطف عند الناصية وتستقل عربة ثالثة، وهذه المرة أعطت عنوانها الصحيح.
شعرت بأن عقلها لم يعد قادرا على صياغة فكرة واحدة متماسكة. "أين هو الآن؟"، تراءى لها السؤال فجأة، فأغمضت عينيها، ورأته ممددا على محفة داخل سيارة الإسعاف، وخُيّل إليها أنها تجلس بجانبه ترافق جثمانه. بدأت العربة تتأرجح، فتملكها الرعب من أن تُقذف خارجا كما حدث من قبل، فصرخت صرخة مكتومة. توقفت العربة؛ انتفض جسدها لتجد نفسها أمام بوابة منزلها. نزلت بسرعة، وعبرت الردهة بخطى خفيفة لدرجة أن البواب خلف نافذته لم يتمكن حتى من رفع رأسه . صعدت الدرج، وفتحت الباب بتمهل كي لا يصدر عنه أي صوت.. عبرت المدخل نحو غرفتها.. "لقد نجحت!". أضاءت النور، ونزعت ثيابها على عجل وخبأتها في خزانة الملابس؛ ستتركها تجف طوال الليل، وغدا ستقوم بفركها وتنظيفها بنفسها. غسلت وجهها ويديها، ثم ارتدت ثوب النوم.
في تلك اللحظة، رنّ جرس الباب. سمعت الخادمة تتوجه لفتحه، ثم تناهى إليها صوت زوجها ووقع عصاه وهي تستقر في مكانها. شعرت أن عليها أن تستجمع كل قوتها الآن، وإلا ضاع كل ما فعلته سدى. أسرعت نحو غرفة الطعام، لتدخلها في اللحظة ذاتها التي كان زوجها يخطو فيها إلى الداخل.
"أهلا، هل عدتِ يا عزيزتي؟" سألها زوجها فور دخوله. أجابت بنبرة واثقة: "بالطبع، أنا هنا منذ فترة". عقّب قائلا: "يبدو أن أحدا لم يلحظ دخولك". رسمت على وجهها ابتسامة لم تكن متكلفة، لكنها شعرت بإرهاق شديد لمجرد اضطرارها للابتسام. اقترب منها وطبع قبلة على جبينها.
كان طفلهما الصغير جالسا إلى المائدة؛ يبدو أنه انتظر طويلا حتى غلبه النعاس، فغفا ووجهه مستند إلى كتابه المفتوح فوق الطبق. جلست بجانبه، وجلس زوجها في المواجهة، يتصفح جريدة، ألقى عليها نظرة خاطفة قبل أن يضعها جانبا ويقول: " بقية الزملاء ما زالوا مجتمعين لمواصلة المشاورات".
سألته متظاهرة بالإهتمام: "حول ماذا؟". بدأ يروي لها تفاصيل اجتماع اليوم باستفاضة مملة، بينما تظاهرت هي بالإنصات، تهز رأسها بين الحين والآخر موافقة. لكنها في الحقيقة لم تسمع حرفا؛ كانت مشاعرها تشبه مشاعر ناج أفلت لتوّه من هلاك محقق بمعجزة.. لا يهمها الآن سوى فكرة واحدة تتردد في أعماقها: "لقد نجوت.. أنا في بيتي". ومع استمرار زوجها في الحديث، قربت مقعدها من ابنها، وضمت رأسه الصغير إلى صدرها. داهما تعب لا يوصف، ولم تعد تملك القدرة على المقاومة، فشعرت بالنعاس يغزو حواسها وأغمضت عينيها.
وفجأة، صعقتها فكرة مرعبة لم تخطر ببالها منذ أن نفضت عنها تراب الخندق: ماذا لو لم يكن قد مات؟ ماذا لو كان..؟ لا، لا مجال للشك.. تلك العينان.. ذلك الفم.. وتلك البرودة الجافة التي لم يتخللها نَفَس. لكن، ألا يوجد ما يسمى "الموت الظاهري"؟ ألا تخطئ أحيانا حتى النظرات الخبيرة؟ وهي بالتأكيد لا تملك نظرة خبيرة.
ماذا لو كان حيا؟ ماذا لو استعاد وعيه الآن ووجد نفسه وحيدا في جوف الليل على ذلك الطريق المهجور؟ ماذا لو بدأ يصرخ باسمها؟ ربما خشي عليها من الإصابة، ربما قال للأطباء: "كانت هناك امرأة معي، لابد أنها قُذفت بعيدا". وماذا بعد ذلك؟ سيبحثون عنها. سيعود السائق مع رجال النجدة ويقول: "كانت السيدة هنا حين غادرت". حينها سيفهم فرانتس كل شيء.. هو يعرفها جيدا، سيعرف أنها فرّت بجلدها، وسيتملكه غضب عارم، وسينطق باسمها انتقاما منها. فهو الآن محطم، وسيهزه في أعماقه أنها تخلت عنه في ساعته الأخيرة، فينطق بكلمات لا ترحم: "إنها السيدة إيما، عشيقتي.. امرأة جبانة وغبية، أليس كذلك أيها السادة الأطباء، كان بوسعكم التغاضي عن هويتها لو توسلت إليكم الكتمان؛ كان بإمكانكم تركها ترحل بسلام، وأنا أيضا كنت سأفعل.. نعم.. لكن كان عليها البقاء حتى وصولكم. وبما أنها كانت بهذا الخبث، سأخبركم من هي.. إنها..." آه!
"ما بكِ؟" سألها البروفيسور بنبرة جادة للغاية وهو ينهض من مقعده. ارتبكت قائلة: "ماذا.. كيف؟ ما الأمر؟".
ـ "أنا من يسألك، ما الذي دهاكِ؟".
ـ "لا شيء". وضمت الصغير إليها بقوة أكبر.
أطال البروفيسور النظر إليها ثم قال: "لقد بدأتِ تغطين في النوم و.."
استوقفته بلهفة: "وماذا أيضا؟".
ـ "ثم صرختِ فجأة".
ـ "حقا؟".
ـ "صرخة تشبه صرخات الكوابيس. هل كنتِ تحلمين؟".
ـ "لا أدري.. لا أذكر شيئا على الإطلاق".
وفي المرآة المعلقة على الحائط المقابل، لمحت وجها يبتسم بمرارة وقسوة، بملامح مشوهة وغريبة. أدركت أنه وجهها، سرت في جسدها قشعريرة رعب . شعرت بأن وجهها يتصلب، وأنها عاجزة عن تحريك فمها، وأيقنت أن هذه الابتسامة الممسوخة ستظل تلاحق شفتيها ما عاشت. حاولت أن تصرخ، وفي تلك اللحظة شعرت بيدين تستقران على كتفيها، ورأت وجه زوجها يقتحم المشهد في المرآة ليقف بينها وبين وجهها؛ كانت عيناه، بنظراتهما المتسائلة والمهددة، تخترقان عينيها. أدركت حينها: إن لم تجتز هذا الاختبار الأخير، فكل شيء قد ضاع.
فجأة، استردت قوتها، وأحكمت سيطرتها على ملامحها وأطرافها؛ شعرت أنه بمقدورها فعل أي شيء في هذه اللحظة، لكن عليها انتهاز الفرصة الآن قبل فوات الأوان. أمسكت بيدي زوجها المستقرتين على كتفيها، وجذبته نحوها، ورمقته بنظرة تفيض صفاء وحنانا. وبينما كانت تشعر بقبلة زوجها على جبينها، فكرت في سرها: "بالطبع.. مجرد كابوس مزعج. لن يخبر أحدا، ولن ينتقم أبدا.. أبدا.. إنه ميت.. ميتٌ لا محالة.. والموتى لا يتكلمون ".
"لماذا تقولين هذا؟" فاجأها صوت زوجها فجأة.
صُعقت من الرعب وهتفت: "ماذا قلت؟!". انتابها شعور مفاجئ بأنها باحت بكل شيء بصوت عال.. وبأنها سردت قصة الليلة كاملة وهي جالسة هنا على المائدة. سألت مرة أخرى، وهي تنهار تماما أمام نظراته المذعورة: "أخبرني.. ماذا قلت؟!".
كرر زوجها الكلمة ببطء شديد: «الموتى لا يتكلمون».
فأومأت برأسها قائلة: «نعم.. نعم..».
وفي نظراته، قرأت حقيقة أنها لم تعد قادرة على إخفاء أي شيء عنه؛ ظلا يتبادلان نظرات طويلة صامتة، قبل أن يقول لها: «اذهبي بالصغير إلى فراشه.. أعتقد أن لديكِ ما تروينه لي».
فأجابت: «نعم».
كانت تدرك في تلك اللحظة أنها ستبوح بالحقيقة كاملة لهذا الرجل الذي خدعته لسنوات. وبينما كانت تخطو ببطء مع طفلها نحو الباب، وهي تشعر بنظرات زوجها تخترق ظهرها، غمرتها سكينة غريبة، وكأن كل شيء في طريقه لأن يستقيم أخيرا.






